|
ج : أنا شخص أبلغ من العمر 21 سنة وأحب لعب كرة القدم وأعتبرها هوايتي المفضلة ودائماً أقضي وقت فراغي بممارستها ولكن والدي يرفض أن ألعب في الفريق الذي أحب أن ألعب فيه وأعتبر هذا الفريق هو المكان الأفضل لي فكل أصدقائي يلعبون فيه وكذلك المدرب من قريتي التي أعيش فيها وهو شخص متدين ويمتاز بالخلق الرفيع وقبل سنة تقريباً منعني والدي من الذهاب إلى هذا الفريق بحجة أن أحد مسؤولي الفريق سيئ الخلق مع العلم أنني لعبت سنة كاملة في هذا الفريق وليس لي أي علاقة مع هذا المسؤول حتى أنني لم أتحدث معه قط، وبعد ذلك انقطعت عن اللعب لمدة سنة تقريباً ولكن تغيرت أحوالي وكثر وقت فراغي فليس هناك شيء أقضي به وقت فراغي إلا ممارسة الرياضة المحببة لدي وحتى حالتي النفسية تأثرت كثيراً وأصابني نوعاً من القلق والتوتر خاصة أنني بفقدي للعب الكرة فقدت كثيراً من الأصحاب، وأيضاً مستواي الدراسي في الجامعة تراجع بكثير خلال هذه السنة. وأنا لا أحب أن يصبح لدي وقت فراغ كبير، فذلك قد يجعلني أقع في الحرام والعياذ بالله. وقد حاولت في إقناع والدي ولكنه يرفض بشدة ويقول اذهب إلى فريق آخر غير هذا الفريق بسبب بوجود هذا المسؤول كما ذكرت سابقاً.
فما الحل من وجهة نظر الاستشاري الاجتماعي؟ وما هي نظرة الشرع لو ذهبت ومارست لعب كرة القدم بدون موافقة والدي؟ فهل أعتبر عاق وعاصي وأؤثم على ذلك؟
س : ابتداء نود القول بأن الانسان البالغ الرشيد ـ وأنت كذلك ـ هو المسؤول عن أعماله وتصرفاته، وهو الذي يجب أن يقرر مسير حياته ويتحمل بذلك مسؤولياته، أمام الله تعالى والقانون والمجتمع، وطبيعي أن أي قرار ينبغي أن تلاحظ فيه لوازم الحكمة، من الإحاطة بالموضوع واستشارة الآخرين وانتخاب الأفضل من الأقوال، ومراعاة الظروف المحيطة والامكانات لكي يخرج القرار مناسباً وعملياً.
ومن جهة، الموضوع المطروح فإن الله تعالى شأنه أمر باحترام الوالدين والبر بهما، قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغنا عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) الإسراء/ 23-25.
وقال عزوجل: (قل تعالوا أتل عليكم ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) الأنعام/ 151.
وأنت تجد في تلك الآيات المباركة وغيرها من الآيات تأكيداً لا يفرقه تأكيد على الإحسان بالوالدين والبر بهما، وقد جعل الله تعالى ذلك بعد عبادته وعدم الشرك به وقبل غيره من الوصايا.. لذا فإن الانسان المؤمن يضحي بالكثير من المسائل من أجل الحفاظ على علاقته الحسنة بوالديه والبر بهما.
ولكن يجب أن نعلم أن البر بالوالدين لا يعني أن يتنازل الانسان عن حقه بممارسة حياته وانتخاب مستقبله، بأن يتزوج مع المرأة الكفوء التي يرضاها لنفسه، أو أن يختار المهنة التي يحبها، أو السكن في المنزل الذي يجده مناسباً لنفسه، فإن هذه مسائل تخص الانسان بالدرجة الأولى وهو أحق من غيره باتخاذ القرار.. نعم لو كان الانسان مختاراً وفي سعة من نفسه فإنه يختار ما هو أقرب إلى نفس والديه وإلى ما يمكنه إلى الإحسان والبر بهما أكثر، ولكن لا يجب عليه طاعتهما لو أمراه بما يضره ولا يرضاه لنفسه كما جاء في الأثر: (لا ضرر ولا ضرار)، فهو حر في الاختيار، وإن كان الأولى عدم أذاهما بتصرفاتهما، بما يسعه ويقدر عليه، كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
فالواجب على الانسان البالغ الرشيد: الإحسان والبر بالوالدين لا الطاعة المطلقة، كما يتصورها كثير من الناس خطأً، خصوصاً بعض الآباء والذين قد يتعسفون في هذا المجال فيميدون عن الحق، فيظنون أن واجب الولد طاعتهما في كل شيء، وان عليه أن يتجرد من إرادته وعقله ويتنازل عن رغباته وتطلعاته ليكون تبعاً لهم.. فإن هذا ليس مطلوباً بشكل مطلق ولا يجب على الولد طاعتهما في كل شيء.. نعم قد يتنازل الولد من بعض رغباته إذا كان ذلك يرضيهما ويبعد الأذى عنهما، ويزيد في الإحسان إليهما.. دون أن يكون ذلك أن يتخلى الولد عن حياته ورغباته الخاصة كلما كان لهما أو لأحدهما رغبة أخرى، فالتوازن مطلوب في كل شيء.. نعم هو يبرهما ويصلحهما ويحسن إليهما في كل الظروف بالخلق الحسن والخدمة والمساعدة والزيارة وكل ذلك من أفضل القربات إلى الله تعالى.
وفي حالة سؤالك، من الأفضل أن لا تغيظ والدك بسبب الرياضة، أو أمر مشابه، واعمل على كسب رضاه بمختلف الوسائل، ومنها أن تكون صريحاً معه بتقريب وجهة نظرك إليه وبيان تمام المسألة له كما بينتها لنا، فقد يغير ذلك من موقفه. فإن (الصراحة أقرب طريق بين شخصين)، ومن المؤسف له أن العلاقة بين الوالد والأولاد كثيراً ما يشوبها الخوف والخجل والجفاء مما يعكر صفوها ويجعل الطرق وعراً بين الطرفين.
وأياً كان سبب القصور أو التقصير في ذلك، فإن الأولاد الواعين من أمثالك، يجب أن يسعوا لكسر الحواجز والاقتراب من الآباء، فإن الشاب والشابة بعد بلوغهما يجب أن يكونا بمثابة صديقين للوالدين يتفاهمان ويتصارحان معهما، ويحاولان أن يمدا جسور الثقة والتواصل فيما بينهم، وهذا الأمر سيسهل كثيراً من الأمور وسيساعد الأولاد على برّ الوالدين، لأن كثيراً من العلاقات بين الوالدين والأولاد تتعثر وتضطرب وبسبب ضعف التواصل وصعوبة التفاهم بين الطرفين.. لذا يجب السعي لتعبيد هذا الطريق خطوة خطوة وتدريجياً، وستجد أن والدك يبدأ بتفهمك أكثر فأكثر.
أما إذا كنت تعتقد أن ابتعادك عن أمر، كالرياضة و التعلم أو العمل، وغير ذلك من الأمور المباحة يسبب لك ضرراً ويعرضك لمشاكل نفسية أو مادية لا يسعك تحملها، فلا عيك طاعة الوالدين في ذلك، وتقدير تلك الأمور يعود إليك. نعم حاول حل المسألة بالخيارات المختلفة، قبل المخالفة، وإذا ما قررت المخالفة فاسع إلى أن يكون أذاهما بالحد الأدنى، كأن لا تعلمهما بقرارك أو عملك، أو تهون الموضوع ولا تعطيه أهمية وشكلاً مثيراً، وإذا ما واجهك أحدهما فلا تعرض القضية وكأنك تتحدى إرادتهما، بل واجههما بابتسامة وإجابة قصيرة لينة وتعبير حسن، يصغر القضية ويدعوهما لعدم الاكتراث بالمسألة، وزد من لطفك معهما في جوانب أخرى تغطي على القضية وتشعرهما بالارتياح.
بلاغ كوم
|