|
يقوم التصور الإسلامي للوجود على حقيقتين أساسيتين، الحقيقة الأولى:
هي وحدانية الخالق، والحقيقة الثانية: هي تعددية الخلق، على هذين الأساسين بنى الإسلام تصوره وعقيدته وفكرته عن هذا الوجود، الله وحده هو الواحد، وبعده متعدد، هو واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله، هو الخالق وحده والمحيي والمميت وحده وهو المعبود وحده، لا يستحق العبادة غيره ولا الاستعانة به سواه، (إياك نعبد وإياك نستعين)، (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)، وعلى هذا كان التوحيد في الإسلام هو جوهر هذا الدين وهو أساس هذا البناء كله، التوحيد روح الوجود الإسلامي (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله)، وهذه كانت دعوة الأنبياء والمرسلين جميعاً، كل الرسل دعوا قومهم إلى التوحيد (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، والطاغوت كل ما يعبد ويعظم ويطاع طاعة مطلقة من دون الله سواء كان من البشر أم من غير البشر، تحرير البشرية من عبادة غير الله، من عبادة الأشياء أو عبادة الذوات أو عبادة الأشخاص أو عبادة الأفلاك أو عبادة الحيوان أو عبادة الإنسان أو عبادة الهوى والذات، تحرير البشر من العبودية لغير الله كان رسالة الأنبياء جميعاً التي تركزت وتجسدت في الدين الخاتم الذي بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم ليحرر الناس من عبادة الطواغيت حتى يعيشوا أحراراً متساوين فلا يمكن للناس أن ينعموا بظلال الحرية وبنسيم الحرية إذا كان يعبد بعضهم بعضاً أو يذل بعضهم لبعض، ولذلك رفع الإسلام الجباه أن تسجد لغير الله والظهور أن تطأطئ لغير الله، فلا انحناء إلا لله ولا تعفير للجبهة إلا لله. هذه هي الحقيقة الأولى.
حقيقة التعديية في الخلق
والحقيقة الثانية: وهي المقصودة بالحديث هذا اليوم هي التعددية، التعددية في الخلق، التعددية العرقية والتعددية اللسانية والتعددية الدينية، والتعددية الثقافية، والتعددية الحزبية، كل هذه التعدديات شرعها الإسلام، أنت لست وحدك في هذا الوجود، لست إلها حتى تكون متوحداً ولا شريك لك ولا ند لك ولا كفو لك ولا شبيه لك، لا، هناك آخرون يشاركونك وينبغي أن يفهم الناس هذه الحقيقة، أن هناك تعدداً، هناك تعدداً في العروق والأجناس والعناصر، الله تعالى يقول (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، خلقناكم من ذكر وأنثى، كلكم أولاد آدم وحواء وكلكم أولاد رجل وامرأة، وجعلناكم شعوباً وقبائل، هذا الشعب العربي وهذا الشعب الهندي وهذا الشعب التركي وهذا الشعب الأفغاني وهذا الشعب الفارسي، شعوب وقبائل لتعارفوا، لتتفاهموا، لتتعاونوا، لا لتتناكروا ولا لتتصادموا ولا لتتعادوا، هكذا خلق الله البشر عروقاً وأجناساً كلها تنتمي لأب واحد وتنتمي لرب واحد هو الذي خلقها وسواها هو الله عز وجل، وهذا ما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم للألوف المؤلفة في حجة الوداع حينما قال "أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب".
يجب أن يعترف الناس بأن هناك عروقاً وأجناساً مختلفة وليس لجنس سيادة على جنس كما يدعي اليهود أن جنسهم الإسرائيلي هو شعب الله المختار، وعليه أن يسود العالم أو كما اعتقد الآريون الأوربيون في وقت من الأوقات هتلر وغيره أن الجنس الآري يجب أن يحكم العالم، أو كما اعتقد بعض فلاسفة اليونان أن الناس خلقوا منهم شعب خلق ليسود ويقود ويحكم و شعوباً أخرى خلقت لتقاد وتساد وتحكم، هناك سادة وهناك عبيد، وكما اعتقد رينين وغيره من فلاسفة المحدثين أن الأجناس تتفاضل جنس أفضل من جنس، لا، الإسلام يقول الناس سواسية كأسنان المشط، إنما يتفاوت الناس بالعلم والعمل والإحسان، (هل يستوي الذين يعلمون والذين يعلمون)، (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ..)، الناس تتفاوت بعلمها وبأعمالها وبتقواها وبفضائلها وبما تقدمه الناس من خيرات وصالحات.
الأجناس كلها متساوية، ويجب أن يسعى بعضها بعضاً لا يحاول جنس أن يطغى على جنس فضلاً عن أن يبيد جنساً آخر كما رأينا الأوربيين فعلوا ذلك حينما ذهبوا إلى أمريكا، أرادوا أن يبيدوا الجنس الأصلي الذي يسكن البلاد، الهنود الحمر، وقامت مذابح إبادة هائلة، كذلك حينما دخلوا استراليا وحينما دخلوا بلاداً شتى حاولوا أن يبيدوا عناصر أخرى تخالفهم وأجناساً أخرى، لا، ليس من حق جنس أن يحكم على جنس بالإبادة، هذا خلق الله، لهم حق في الاستخلاف في هذه الأرض كما لكم.
التعديية اللسانية
التعددية العرقية حقيقة من الحقائق، والتعددية اللسانية، أن الله خلق الناس تختلف ألسنتهم
ولغاتهم، القرآن يقول (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين)، هذا يتكلم بالعربية وهذا يتكلم بالفارسية وهذا يتكلم بالهندية، والهندية فيها مئات اللغات، وهذا يتكلم بالتركي، الناس يتكلمون بلغاتهم، (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) حتى الرسالة العالمية رسالة الإسلام ورسالة القرآن جاءت بلسان عربي مبين، كيف نبلغها إلى العالم؟ نترجم إلى العالم هذه الرسالة حتى يعرفوها، إنما لابد أن نعترف بأن هناك لغات شتى وألسنة مختلفة يتحدث بها الناس وهذا آية من آيات الله عز وجل.
هناك تعددية لسانية ولغوية وهناك تعددية دينية، الله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين، خلق لكل منهم عقلاً يفكر به، ومنحه إرادة يرجّح بها، ومنحه ملكات وقوى ومواهب مختلفة على أساسها اختار الناس لأنفسهم، لو شاء الله أن يجعل الناس كلهم مؤمنين به لفطرهم على التوحيد والإيمان كما فطر الملائكة، ولكن الله خلق من خلقه خلقاً مفطورين على عبادته (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، (يسبحون الليل والنهار لا يفترون)، هؤلاء هم الملائكة، وخلق من خلقه نوعاً ميزه بالإرادة بالاختيار هو الذي يقرر مصير نفسه (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها)، (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها)، (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، (لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا)، أعطاه المشيئة والإرادة والاختيار والقدرة ليقرر مصيره، هذا النوع هو الإنسان، لم يشأ الله أن يجبره على دين واحد وعلى الإيمان به، بل ترك له الحرية، أعطاه الأدوات التي يفكر بها وبعث له الرسل وأنزل له الكتب لتعاونه في اختيار الطريق، ولكنه ترك له الحرية، هكذا خلق الله (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)، قال كثير من المفسرين (لذلك) أي وللاختلاف خلقهم لأنه خلقهم متغايرين في الفكر والإرادة فلابد أن يتغايروا في الدين الذي يختارونه، (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، لا لا يكره الناس، سيدنا نوح قال لقومه (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون)، نلزمكم بالهداية؟ لا أنتم أحرار في هذا.
التسامح مع الكافرين
خلق الله الناس على أديان مختلفة ويجب أن يسع أهل الأديان بعضهم بعضاً. لا يجبر أناس على أن يتركوا دينهم ليعتنقوا ديناً آخر، لم يأت الإسلام بهذا، (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ)، ولذلك ينبغي أن نسع المخالفين، لا يجوز أن نقهرهم على أن يتبعوا ديننا، كما لا نجيز لأحد أن يقهرنا على ترك ديننا أو يمنعنا من طاعة ربنا، لا، لا يجوز لأحد أن يتدخل، هذه التعددية الدينية هي التي قررها الإسلام منذ العهد المكي وفي العهد المدني، هناك سورة جمعت بين أمرين قد يظنهما بعض الناس متناقضين، الاعتزاز بالدين إلى أقصى حد والتسامح مع المخالف إلى أقصى حد، هذه سورة الكافرون، السورة الوحيدة التي خاطب الله فيها الكافرين بعنوان الكافرين، يخاطب الكفار والمشركين دائماً يا أيها الناس يا بني آدم يا عبادي يا أهل الكتاب .. لكن قال في هذه السورة (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون)، كان المشركون يساومون النبي صلى الله عليه وسلم ويفاوضونه يريدونه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، وهذه المساومات أراد القرآن أن يقطعها بقرار حاسم، هذا أمر مرفوض ولذلك قال (لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنت عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين)، هذا التكرار والتأكيد ثم في نهاية السورة يأتي هذا التسامح العجيب (لكم دينكم ولي دين)، لكن المشركين المتعصبين قالوا له: لنا ديننا وليس لك دين، هذا هو التعصب، لا يقبل دين آخر، ولكن القرآن قال لكم دينكم ولي دين
الإيمان اختيار محض
بعض الأخوة يقولون ليس هناك دين غير الإسلام، لا، هناك أديان أخرى، المشركون الوثنيون لهم دينهم، أهل الكتاب لهم دينهم، (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق)، هناك أديان أخرى وسعها الإسلام، وعاشت في ظلال الإسلام قروناً والمسلمون هم سادة العالم ولهم القوة الأولى في الدنيا، كانوا يستطيعون أن يفرضوا عليهم دينهم ويكرهوهم على الإسلام، لم يحدث ذلك أبداً لأن الإسلام لا يقبل إيماناً فيه شبهة إكراه، الإيمان لابد أن يكون اختياراً محضاً، ولذلك لم يجبر غير المسلمين في وقت من الأوقات على دخول هذا الدين، وهذا ما قرره المستشرقون الغربيون أنفسهم مثل توماس أرنولد في كتابه قال (لم يحدث في تاريخ المسلمين أن جماعة أجبرت على أن تدخل في الإسلام إكراها)، تركوا هؤلاء وعاشوا في المسلمين أهل ذمة لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، لهم كنائسهم ولهم صلبانهم ولهم نواقيسهم ولهم أزياؤهم، ما أجبر أحد على أن يغير زيه ليكون مثل المسلمين، بل بالعكس إن الإنسان له اختياره، ما دمت قد تركت له دينه فمن حقه أن يعيش بدينه وأن يقيم شعائره وأن يؤدي واجباته بل كما قلت لكم في الأسبوع الماضي أن من عجائب التسامح الإسلامي أنه لا يجبر الإنسان على أن يترك مباحاً له ليجامل المسلمين، لم يجبره على أن يترك أكل الخنزير أو شرب الخمر وسمح للنصارى في بلاده أن يعيشوا فيها وهم يشربون الخمر ويربون الخنازير ويأكلون لحومها وهو أمر مباح، هذا هو التسامح.
التعددية الدينية تحتاج إلى التسامح، كيف يتسامح الإنسان وهو يعتقد أن دينه هو الحق وأن غيره هو الباطل و(أن الدين عند الله الإسلام)، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)، إذا كان يعتقد هذا كيف يتسامح مع غيره، هذا هو من روائع ما جاء به الإسلام، أنه برغم اعتزاز المسلم بإسلامه (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)، رغم اعتزازه بالإسلام ومباهاته بالإسلام ومغالاته بالاعتزاز بهذا الدين رغم هذا فإنه قد غرس فيه من العقائد والمفاهيم والأفكار ما يجعله يتعايش بتسامح منقطع النظير مع المخالفين له.
من هذه المفاهيم الأساسية أنه علمه أن اختلاف الناس واقع بمشيئة الله، الله هو الذي أراد الناس كذلك (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، هكذا خلق الله الناس وأن هذا بمشيئة الله ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، وما دام هذا بمشيئة الله التي لا تنفصل عن حكمته فلا يعقل أن يقاوم الإنسان مشيئة الله، لأن مشيئة الله هي النافذة وهي الغالبة وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فبهذا استراح المؤمن أن هذا هو ما يشاء الله، هل نعدّل الكون على الله؟ هو الذي خلق الكون هكذا.
حساب الآخرة
الأمر الثاني أن الناس إذا اختلفوا آمنوا أو كفروا، اهتدوا أو ضلوا صلحوا أو فسقوا، ليس
حسابهم في هذه الدار، وإنما هناك دار أخرى للحساب والجزاء، والذي يتولى الحساب والجزاء هو الله عز وجل، هذا يطمئننا، فإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون، (الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنت فيه تختلفون)، (فلذلك فادفع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)، بهذا يستريح كل إنسان بأن هناك دار أخرى سيحاسب كل على إيمانه أو على كفره أو هداه أو ضلاله، لست أنا الذي أحدد بل الله وليس في هذه الدار وإنما في الدار الآخرة.
الأمر الآخر أن الإسلام يكرم الإنسان من حيث هو إنسان، الإنسان من حيث آدميته مكرم في هذا الدين، ولقد كرمنا بني آدم، الله خلق الإنسان وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة وجعله في الأرض خليفة، فالإنسان هو زبدة هذا الوجود، الإنسان هو الذي كرمه الله عز وجل بغض النظر عن لون عينيه أو نعومة شعره أو جعودته أو لونه أبيض أو أسود، الإنسان من حيث هو إنسان مكرم عند الله، بل بغض النظر عن دينه أي دين هو، روى البخاري عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مروا عليه بجنازة إنسان ميت فقام لها واقفا فقالوا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، هل تقوم احتراماً لها؟ إنها جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم: أليست نفسا؟، أليست نفس بشرية؟، فما أروع الموقف وما أروع التعليم، النفس البشرية تكرم، وهكذا، النفس الإنسانية مكرمة معصومة مصونة، (أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)، هذا هو الأمر الثالث الذي يمحو به الإسلام التعصب من نفسية المسلم ويغرس فيها التسامح والأفق الواسع.
عدل الله لكل العباد
الأمر الرابع: أن الإسلام يأمر بالعدل مع الناس جميعاً، مع من تحب ومع من تكره، مع القريب والبعيد، مع الصديق والعدو، مع المسلم والكافر، مع المسالم والمحارب، العدل للناس جميعاً هذا هو عدل الله لكل عباد الله، وهذا ما ينبغي أن يراعيه المسلم، ولذلك تجد القرآن الكريم يقول (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)، هذا عدل مع من تحب، ويقول في آية أخرى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)، لا يحملنكم شنآنهم - شدة بغضهم لكم أو شدة بغضكم لهم - لا يحملنكم هذا على ألا تعدلوا (اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله)، العدل مع الجميع، ولذلك حينما حاول اليهود أن يرشوا سيدنا عبدالله بن رواحة وهو يقدر عليهم ما يجب عليهم في النخيل وقد عاملوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن يزرعوا الأرض ويعطوا النبي النصف وهم النصف، وكانت طريقتهم خرص النخيل يعني تقديره تقدير تقريبي، كم تحمل النخلة؟ ويخيرهم في أن يأكلوا منها وهذا يقوم به الخبراء ومنهم سيدنا عبدالله بن رواحة، فأراد اليهود على طريقتهم أن يرشوه حتى يقلل ما يجب عليهم، فقال لهم: يا أعداء الله أترشونني والله لأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير ولرسول الله أحب إليّ من نفسي ولكني والله لا أحيف عليكم مثقال ذرة، فقالوا: هذا هو العدل التي قامت به السماوات والأرض، العدل مع الناس جميعاً.
بهذا غرس الإسلام روح التسامح مع المخالفين، لا يضيق المسلم مع غير المسلمين، يعاملهم بالعدل ويعاملهم بالرحمة ويعاملهم بالقسطاس المستقيم، ويعرف أن الأرض تسعهم.
التعديية الثقافية
فهذه التعددية الدينية، والتعددية الدينية تترتب عليها تعددية ثقافية، ما دام الناس يتعددون دينياً
فلابد أن يتعددوا ثقافياً، المراد بالناحية الثقافية ما يتصل بالحياة ومفاهيمها وتقاليدها وعادات الناس فيها، الناس تختلف في هذه الأمور كلها، يختلفون في ملابسهم يختلفون في مآكلهم، يختلفون في مشاربهم، يختلفون في مساكنهم، لكل جماعة طريقة اتخذتها، أناس تأكل أشياء وأناس ترى هذه الأشياء سيئة جداً لا تؤكل، ناس تبني بيوتها بطريقة وناس تبنيها بطريقة أخرى، ناس تتكلم بلغة وتكتبها بطريقة وآخرون يكتبونها بطريقة، هناك من يكتب اللغة بطريقة الحروف، أو خطوط ونقاط تحتها أو فوقها كما هي العربية، وناس تكتب اللغة بالصور يعني حروفها عبارة عن صور مثل اليابانية والصينية والكورية، وناس تكتب من اليمين إلى الشمال وناس تكتب من الشمال إلى اليمين، وناس تكتب من فوق إلى تحت، كتابة رأسية، الناس يختلفون في هذه الأمور، ولذلك الإسلام قدر هذه الاختلافات في ثقافة الناس، ووسع هؤلاء جميعاً، وكان في الحضارة الإسلامية والديار الإسلامية أناس من كل هذه الأنواع، لم يفرض على الناس لوناً معيناً من المآكل أو المشارب، تريد أن تأكل الخنزير فأنت حر، تلبس بطريقة معينة فالبس بهذه الطريقة، ما فرض على الناس شيئاً من التقاليد يجب أن يفعلوها مجاراة للمسلمين حتى لا يتميزوا عن المسلمين، ما فعل شيئاً من ذلك، الناس لهم الحرية في ثقافاتهم وتقاليدهم وأعرافهم وعاداتهم، ما تدخل المسلمون في هذا، الحضارة الإسلامية شاركت فيها أنواع عديدة من العناصر والأجناس والأديان المختلفة، وكل له ثقافته وكل ترك له بصمة في ناحية من النواحي ولم يمنع شيئاً من هذا، هذا هو التنوع، بل التنوع فيه إثراء وغنى للحضارات، الحضارة التي تقوم على لون واحد وشكل واحد وصورة واحدة هذه حضارة فقيرة، الحضارة الغنية هي التي تأخذ من الجميع وتستفيد من الجميع وتقتبس من الجميع، هذا هو التنوع، التنوع ظاهرة كونية، أشرت في ذلك إلى قول الله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء)، العلماء هم الذين يعرفون أسرار الله في الكون، يعرفون أسرار اختلاف الألوان، التنوع يعبر عنه القرآن باختلاف الألوان، أي اختلاف الأنواع والأصناف، وهذه تثري الحياة، وتزدهر الحياة، لا نفرض على الناس لوناً واحداً ونحاول أن نبيد الألوان الأخرى.
التعددية الحزبية
وهناك التعددية الحزبية التي يتحدثون عنها في الفكر السياسي والعلوم السياسية أن الدولة يجب أن تسمح بتعدد الأحزاب والجماعات وهذا ما يتغنون به في النظام الديمقراطي ويقولون أن النظام الديمقراطي هو الذي يسمح بالتعددية السياسية والتعددية الحزبية، وهذا ما جاء به الإسلام من قديم، كان للناس أن يعبروا عن آرائهم، أن يخالفوا الحاكم سواء كانوا مخالفون أفراداً أو جماعات، سيدنا أبو بكر يقول: إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، وعمر يقول: من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومني فيقوم بعض الناس فيقول لو رأينا فيك اعوجاجاً يابن الخطاب لقومناه بحد سيوفنا، لم يقل اقبضوا على هذا الرجل الإرهابي ضعوه في السجون وابحثوا ما معه من السيوف التي يريد أن يقومني بها، لا، لم يقل هذا، بل قال الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بحد سيفه
نستغرب من أوروبا أم الديمقراطية
هذه هي التعددية، الإسلام يقر التعددية بكل صورها وألوانها ويعلم المسلمين أن الحياة تتسع للمخالف وينبغي أن يربى الناس على هذه الحقيقة، أن يسع بعضهم بعضاً، ويقبل بعضهم بعضاً، وأن تتسع صدورهم لمخالفيهم في العقيدة أو الفكر أو السياسة أو في اللون أو في اللسان أو في العرق أو في الثقافة، ينبغي أن يربى الناس على هذه الحقيقة، ولذلك نستغرب أن أوروبا التي تقول أنها أم الديمقراطية وأم الحرية تحاول أن تضغط على بعض مواطنيها حتى يفقدوا شخصيتهم الدينية وحريتهم الدينية وتضغط عليهم الأغلبية هذا بقرار منها، معناها أن الأغلبية تصبح ديكتاتورية لفرض آرائها على الأقلية، أي معناها أنها تريد أن تذيب الأقلية، تذوبها ولا يبقى لها أي شخصية دينية أو ثقافية، الإسلام كان أعرق منهم في إقامة التعددية بكل ألوانها وبكل صنوفها وبهذا عاش الناس في بلاد المسلمين يعرف بعضهم حقوق بعض ويتسع بعضهم لبعض ويتفاهم بعضهم مع بعض ويتعاون بعضهم مع بعض، بقيت المساجد والكنائس، ويسمع الناس آذان المؤذن ويسمعون دقات النواقيس في بلاد الإسلام ولم يضق صدر المسلمين بهذا، بل بقوا متفاهمين متعاونين وهذا هو الدين السمح، الدين صاحب الأفق الواسع الرحب، دين الإسلام، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لفهم هذا الدين وحسن الالتزام به وحسن الدعوة إليه إنه سميع قريب. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم وادعوه يستجب لكم.
|