|
* فيصل العوامي
إن منهج الدين في التفكير قائم على ركيزتين:
الركيزة الأولى: الإتكاء على اليقينيات في حركة التفكير.
لابد في البدء أن نلاحظ الصورة التي رسمها الدين لليقين. وكيف تحدث عنه. إن الدين أول ما تحدث عن اليقين صورة على أنه رأس الدين ونظامه، ليس على صعيد الأفكار وإنما على صعيد المناهج، لأن أُس الدين ورأسه على الصعيد الفكري هو التوحيد لا محالة، كما يستشعر ذلك من العديد من الآيات والروايات. أما على صعيد المناهج والذي يعني الحالات التي ينبغي للمؤمن أن يكون عليها، يتحلى بها ويتعامل مع الدين على أساسها، فاليقين هو رأس تلك الحالات كما قال الإمام علي (ع): ((اليقين رأس الدين)).
ولأن اليقين في هذه المكانة العالية من الدين، فقد اعتبره بذاته عبادة، فكون الإنسان على يقين، هذه الحالة بذاتها وبلا أي إضافات تعتبر عبادة بل من أفضل العبادات، والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق ليعرفوه ويوقنوا به وبكل ما يرتبط به من حقائق كالنبوة والمعاد وغيرها. لهذا فإن من يحرز هذا اليقين فإن بقاءه على هذا الإحراز عبادة. وهذا ما يكشف لنا المكانة التي وضعها الدين الإسلامي لليقين.
كل ذلك يصور لنا المكانة الحقيقية لليقين في نظر الدين، فهي مكانة متميزة، يكون فيها اليقين من أعلى السجايا الفكرية وأهم المدح الإيمانية، وذلك من شأنه جعل اليقين طموحاً عالي الشأن. وفعلاً هذا ما أشار إليه الدين حيث جعل اليقين في القمة، جعله طموحاً سامياً حري بالإنسان المؤمن أن يتطلع للوصول إليه والتمكن منه. يقول الله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، هذه الآية رغم أنها فسرت بالموت، بحيث يكون مفادها الاستمرار في العبادة طوال الحياة وحتى الموت. لكنها مع ذلك تستوعب معاني أخر بناءً على حجية الظاهر منها، ولعل أظهر ما يفهم منها أن اليقين بمعنى العلم التام، طموح خاص يدعو إليه الدين، والعبادة بما تتضمن من صفاء روحي وعلاقة مع الله سبحانه وتعالى من شأنها تعميق اليقين عند الإنسان المؤمن.
وأقول هنا تعميق اليقين وليس تحصيل اليقين بعد الشك كما قد يتصور، لدى البعض، والسبب في ذلك أن اليقين يأتي للمؤمن وليس الشاك، وذلك لأن الإنسان ما تقدم للعبادة إلا وهو متيقن، ولو لم يكن كذلك لما أفادته عبادته شيئاً، باعتبار أن العبادة مع الشك غير محبوبة كما هو ظاهر العديد من النصوص التي سنأتي على ذكر بعضها قريباً. فالعبادة تكرس اليقين عند الإنسان المؤمن، ولهذا فإن الدين ما أمر بالعبادة إلا كي يتعمق ذلك اليقين، وهذا يكشف أن اليقين طموح في نظر الدين.
هذه هي صورة اليقين عند الدين، وهكذا حدثنا عنه. ثم إن الذي يكشف لنا أن الدين جعل اليقين منهجاً في التفكير، التقابل المستمر بينهما في العرض. فكلما ذكر الشك ذكر اليقين مقابلاً له، وهكذا العكس أيضاً. ولنأخذ عدة أمثلة على ذلك من الآيات والروايات: يقول تعالى في وصف حالة المؤمن وغيره: (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين). ولا يخفى أن الإيمان هنا رديف لليقين.
فهذا التقابل من شأنه إثبات ونفي في دائرة واحدة، وحيث نفى الدين الشك، لزم من ذلك اعتبار اليقين منهجاً للتفكير وطريقاً للوصول إلى الحقائق. لكن لماذا اليقين بالذات وليس شيئاً آخر؟ لماذا يصر الدين على اعتماد اليقين منهجاً في كشف الحقائق؟
في الحقيقة من مجمل ما ذكرنا حول إشكاليات الشك يتضح الفرق هنا، فنفس تلك الإشكاليات تنتفي مع اليقين تماماً. لهذا فإن دواعي تثبيت اليقين كمنهج هي باختصار:
1 ـ اليقين طريق لتثبيت اليقينيات.
لا شك أن الأفكار الكبرى والصغرى متصلة مع بعضها البعض اتصالاً وثيقاً، بحيث تتبادل التأثير وبشكل واضح، فإذا ابتدأ الإنسان بالشك في الأمور الصغيرة فإنها ستقوده إلى التشكيك في الكبريات، وإذا شك في الكبريات فإنها بطبيعتها ستحطم الصغريات. وذلك بخلاف اليقين فإن اليقين في الكبريات يلقي بظلاله على الصغريات فتتحول إلى يقين، كمن يؤمن بالله سبحانه فإنه يؤمن بالتالي بالملائكة والأنبياء والغيب وما أشبه، وأما اليقين في الصغريات فإنه يمهد الطريق للإيمان بالكبريات، أي تكون تلك الصغريات اليقينية بمثابة المبادئ والمقدمات العلمية التي يعتمد عليها في إثبات الكبريات، فمن يؤمن بالنبي ويعتقد به لما يرى منه من صدق وإعجاز يؤمن تبعاً لذلك بالله سبحانه.
لذلك فإن الروايات التي عبرت عن اليقين بالنور، لأنه يضيء الدرب للعقل كي يصل بشكل واضح إلى الحقائق. يقول الإمام علي (ع): ((اليقين نور)) فكلما أيقن الإنسان كلما كان ذلك طريقاً لتثبيت سائر يقينياته، وكلما شك كلما كان ذلك طريقاً لخلخلة يقينياته.
2 ـ اليقين مكرس للإيمان:
الإنسان المتيقن إذا أقدم على العبادة أو التفكر أو العمل فإنه يقدم بقلب سليم، فيزيده ذلك الاطمئنان يقيناً، لأنه كلما مر على آية أيقن بها وبالتالي تأثر بها. بخلاف الشاك فإنه يقدم على كل ذلك بقلب مريض مرتاب، فلا يستفيد من عبادته ولا تفكيره ولا عمله.
إن الإنسان المتيقن إذا جاء قاصداً العبادة يجيء حاملاً معه قلباً سليماً، كما جاء إبراهيم الخليل (ع): (إذ جاء ربه بقلب سليم). ولأنه يأتي بهذه الحالة فإنه يستفيد من عبادته استفادة حقيقية، فتكون العبادة في تلك الحالة مكرسة للإيمان كما مر علينا في قوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، من هذا المنطلق قال الإمام الصادق (ع) في تمييزه بين عبادة المتيقن وعبادة الشاك: ((إن العمل الدائم القليل على اليقين افضل عند اله من العمل الكثير على غير يقين)). فالإنسان إذا جاء يتعبد وهو موقن زادته عبادته يقيناً وإيماناً. وإذا أراد أن يفكر وهو موقن زاده تفكيره يقيناً، لأنه جاء هنا أيضاً بقلب سليم غير مضطرب.
3 ـ اليقين باعث على الجدية:
إن الإنسان إذا كان متيقناً من العمل الذي يقدم نحوه، سواء من جهة جدوائيته أو مصداقيته ومشروعيته، فإنه سيؤدي عمله على أتم وجه وسيبذل قصارى جهده لإنجاحه. وبعكسه تماماً مَن يتبنى عملاً وهو شاك في كل ذلك فإنه سيتعامل معه باستهتار وهزلية. وهذا الأمر ليس في حدود البرامج والأعمال الدنيوية وإنما حتى الأخروية. فلو تقدم إنسان نحو الصلاة بيقين، فإنه لا محالة سيركز فيها ويجهد نفسه ليؤديها صحيحة، بعكس ذلك تماماً ما لو جاء إليها وهو شاك فيها جدوائياً ومشروعيةً.
فمن آثار اليقين الأساسية الجدية في التقاطع مع الأمور سواء كانت عملاً دنيوياً أو أخروياً أو تفكيراً أيضاً. لهذا يقول الإمام علي (ع): ((إخلاص العمل من قوة اليقين)).
فاليقين إذن على خلاف الشك، فحين يكون الشك باعثاً على تقويض عرى الإيمان وخلخلة اليقينيات، يكون اليقين طريقاً لتكريس الإيمان وتثبيت اليقينيات. ومن هنا يبدأ منهج الدين فهو يرفض الشك ويثبت اليقين في قباله، على أساس أنه منهج للتفكير.
لكن كيف يستفاد من اليقين كمنهج؟ أي كيف يتحرك اليقين ليصل إلى الهدف الأساسي وهو الحقيقة؟
برنامج اليقين ينفذ بهذه الطريقة، وهي الانطلاق من يقين ـ إما أكبر أو أصغر ـ إلى يقين آخر، ,فرضيته تقول ما دام الإنسان يمتلك يقينيات فلماذا يذهب إلى الشك، لماذا يبحث عن شكوك ويفترضها وبين يديه العديد من اليقينيات. فما دامت اليقينيات موجودة ليبدأ دائماً منها، وينطلق من خلالها شيئاً فشيئاً إلى يقينيات أخرى، فإنها ستوصله إلى الحقيقة وتغنيه عن تكلف الشك. وهذه هي المنهجية الملاحظة في القرآن الكريم، فهو يدعو الإنسان حين يريد أن يصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، أو التأكد من صحة أي أمر غيبي أو شهودي لكنه متصل بالغيب، يدعوه إلى الانطلاق من اليقينيات فهي من شأنها إيصاله إلى الحقيقة، ولا يدعوه إلى الانطلاق من شكوكه، أي يدعوه إلى استخدام اليقينيات إما لتكريس اليقينيات الموجودة عنده، أو لحل مشاكل الشك التي قد تهاجمه.
هذا هو منهج القرآن، فهو يدعو المتفكر ليبدأ من الكون مثلاً، أو الشمس والقمر وسائر الأفلاك، أو الزرع أو البحار أو الحيوانات، وما إلى ذلك لأنها يقينيات مادية، يدعوه لينظر في هذه الأمور اليقينية حتى يصل من خلالها إلى يقين آخر. وذلك واضح لكل من قرأ القرآن الكريم، إذ قلما تجد سورة تخلو من ذكر شيء من هذا القبيل. فكلما يريد القرآن تأكيد حقيقة ورفع حجب الشك عنها يحث على النظر في اليقينيات. مثلاً: يقول تعالى في سورة الروم: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). فهي دعوة للنظر في المتيقن لا المشكوك. وكل يقين حسب ما يناسبه من حقائق، فحين يريد القرآن أن يوصل الإنسان إلى حقيقة غيبية وهي البعث يدعوه للتأمل في يقينيات تتناسب مع البعث فيقول تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير، قل سيروا في الأرض فانظرا كيف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير). فهذه الآية حركتها واضحة، فهي تدعو عقل الإنسان ليتحرك من يقين إلى يقين إن أراد الوصول إلى كنه الحقيقة.
وحين يريد أن يؤكد على القدرة الإلهية، يدعوه للنظر فيما يناسبها من يقينيات، فيقول تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير).
وهكذا حين يريد منه التأكيد من الحكمة الإلهية أو الكرم الإلهي، أو الاطمئنان إلى وجود الملائكة، أو الاطمئنان إلى صدق دعوة الرسل، فهو دائماً يدعوه إلى النظر في يقين يناسب كل شيء من ذلك، ولا يدعوه للانطلاق من الشكوك، لأنه إذا انطلق من الشكوك قد يشك حتى في اليقينيات كما فعل السفساطئيون قديماً وحديثاً.
أما إذا انطلق من اليقين فإنه سيتحرك على قواعد ثابتة، لذا فإن تفكيره يكون مستقراً فيتمكن من مشاهدة الحقائق مشاهدة وجدانية.
الركيزة الثانية: اعتماد منهج التساؤل المطمئن
الإنسان قد قصر عقله أحياناً عن الوصول إلى الحقيقة، أو عن الاطمئنان الكلي لها. وحينئذ عليه أن ينتج السؤال والاستفسار ليحقق الاطمئنان، أي يسأل حتى يصل إلى الحقيقة، لا أن يشك ثم يسأل. المنهج الديني هنا يحث على السؤال مع المحافظة على اليقين السابق، لا السؤال مع التشكيك. ولإيضاح ذلك نقف عند فكرة ومثال من القرآن الكريم. فأما الفكرة فهي ما جاء مؤكداً، حيث قال تعالى: (وما أرسنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون). فالآيات تحث على السؤال، أي لتكن المنهجية لحل الإشكالات التي ربما تصادف الإنسان في سعيه الحثيث نحو الحقائق، سؤال أهل الخبرة، وهم أهل الذكر المتيقنين من دينهم.
فالسؤال أولاً ينبغي أن وجه إلى أناس خاصين، وهم أهل اليقين المتصلين بذكر الله سبحانه وتعالى، حتى يضيئوا للإنسان الحقائق، ولا يوجه إلى أهل الشك لأنهم يزيدون الإنسان شكاً ويعتمون عليه الحقائق.
هذه هي الفكرة، وأما المثال فهو ما ورد بشأن نبي الله إبراهيم الخليل (ع)، حيث قال تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي .. ). لقد جاء نبي الله إبراهيم (ع) إلى ربه متسائلاً لا شاكاً، راغباً في أن يخصه الله سبحانه وتعالى بشيء دون الأنبياء (ع)، فطلب من الله سبحانه أن يره شيئاً من قدرته ـ وكأن الله سبحانه هنا حين عرض هذه التجربة أراد أن ينبه الإنسان إلى كيفية التعاطي م ع الحقائق وكيف يثبتها في قلبه ـ فاستجاب الله عزوجل له.
فإبراهيم (ع) طلب ما لم يطلبه غيره من الأنبياء، وذلك لا يعد خرقاً منه لقوانين النبوة وإنما طلباً للزيادة، وذلك أن ((الإيمان بالغيب لا يتنافى مع طلب المشاهدة بالعيان، فإن كل مَن آمن بالله وملائكته وبما جاء في كتبه من أخبار الغيب، كل المؤمنين من أكبر كبير إلى أصغر صغير، يتمنون أن يشاهدوا بالعيان ما آمنوا به عن طريق الغيب والوحي)). فهي أمنية فقط ولا يحيطها الشك، فإن تحققت فخير على خير، وإن لم تتحقق بقي الإنسان على إيمانه. فإبراهيم (ع) لم يطلب ذلك عن شك وتردد، وإنما لزيادة اليقين، وذلك واضح في الآية المباركة حيث قال تعالى: (أو لم تؤمن) هل أنت في شك من أمرك؟ ((قال: بلى)) بلى آمنت وتيقنت (ولكن ليطمئن قلبي)، فقد جاء إلى الله وهو على يقين طالباً الزيادة عبر السؤال لا الشك.
وذلك هو تماماً ما يركز عليه منهج التفكير في الدين، فهو منهج طارد للشك كلياً، لأنه لا يعتمد إلا على اليقين فينطلق من يقين إلى يقين آخر ـ الركيزة الأولى ـ ، وإن طرأ للإنسان سؤال ـ لا شك لأنه دائم اليقين وسؤاله لا يغير من يقينه ـ سأل أهل الخبرة عنه بلا شك، أي يسأل ليكرس اليقين ليرفع الإنسان لأن الشك سالب أساساً بانتفاء موضوعه ـ الركيزة الثانية ـ . وكلا الركيزتين تؤكدان أن لا محل للشك أبداً. لهذا فالمنهج الديني أكثر إيجابية لأنه يعتمد على اليقين والسؤال ـ وكلاهما مبنيان على الصحة ـ لا الشك ـ لأنه أي الشك مبني على الفساد.
-----------------------------------------
* المثقف وقضايا الدين
|