الدين والحياة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

كيف يجب أن نفهم الإسلام؟

* هادي المدرسي
تركت ((الحضارة المادية)) المعاصرة على المسلمين نوعين من التأثير:
النوع الأول: التأثير السلبي.
النوع الثاني: التأثير الإيجابي.
فهي من جانب استطاعت أن تسلب من بعض البسطاء منابع التفكير، وتدفعهم إلى التنكر للإسلام والاعتقاد بخرافيته، أو على الأقل بلا جدوائيته للحياة ..
وهي من جانب آخر استطاعت أن تفرض على كثيرين نوعاً معيناً من التفسير للدين، بحيث أصبح هذا الدين يبارك هذه الحضارة، ويتأقلم معها، ويواكبها ..
كيف يجب أن نفهم الإسلام؟
منذ البداية يقول الإسلام أنه يعتمد على الغيب كعنصر أساسي، ووحيد في فهم الحياة، ويصرح بذلك القرآن الحكيم قائلاً: (الم. ذلك الكتاب لا ريب. فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب .. ).
ومنذ البداية يصرح الإسلام بأنه دين الحياة، بكلا جانبيها الدنيوي والأخروي معاً. فهو منهاج يومي لكل إنسان يمشي على وجه الأرض، ولكنه منهاج يومي من أجل ((الآخرة)) و ((الدنيا)) وليس من أجل أحدهما فقط.
ولكن ((المنهزمين الفكريين)) يحاولون، تحت تأثير بريق الماديات، أن يكشفوا عن الوجه المادي للإسلام، ولهذا فإنهم يحاولون أن يبرهنوا على الفوائد المادية ـ الدنيوية البحتة التي يجنيها المسلم من وراء النظم والشرائع وحتى العبادات الإسلامية.
ويهدف هؤلاء من وراء ذلك: كسب ود الحضارة المادية من دون التنكر للدين. فهم يريدون أن يبقوا في صف أصدقاء الدين، من غير أن يفقدوا التوغل في الماديات ..
وينسى هؤلاء أن الإسلام حضارة فكرية متكاملة لا .. ولن يتغير حسب تغير الأهواء. فالإسلام نابع من صميم الواقع الحياتي والكوني ... وما دام أن هذا الواقع لا يقبل التغيير فإن الإسلام هو الآخر لا يقبل التغيير.
وإذا كانت الشهوات ـ لا الواقع الحياتي ـ هي التي تتغير، فإن تغيرها سريع، وعنيف، وزائل. وتغير ((الموضات)) تكشف عن ذلك ..
بيد أن الإسلام ليس دين الشهوات. إنه قائم على العقل ولكنه بالطبع لا يتنكر للشهوات.
فإذا غيرت الحضارة المادية الآية، فبنت الحياة على الشهوة، وتنكرت للعقل فهل يجب على الإسلام ـ الذي جاء لتنظيم الحياة ـ أن يغير ـ هو الآخر ـ من إيديولوجيته؟
مرة أخرى لابد من التأكيد على أن الإسلام حضارة فكرية مستقلة، تعرف واقع الإنسان، وواقع الحياة وتحاول أن تبني المجتمعات على أسس فكرية تعتمد على التعقل وليس على الشهوة.
إن الحياة البشرية لها جانبان: ((جانب مرثي)) وهو الجانب الدنيوي منها. وجانب ((غير مرئي)) وهو الجانب الأخروي منها، تماماً كما أن للقمر ـ مثلاً ـ جانبين، جانب مرئي وجانب غير مرئي، ولا يستطيع أحد أن يفهم الجانب غير المرئي من الحياة البشرية إلا إذا سافر إلى الموت. تماماً كما لا يستطيع أحد أن يفهم الجانب غير المرئي من القمر إلا إذا سافر إليه .. وعلينا أن نخضع في ذلك لله فحسب لأننا لا نستطيع فهم الجانب الثاني من الإنسان .. وإذا كانت الحياة البشرية لها جانبان: دنيوي، وأخروي فإن للإنسان أيضاً جانبين: مادي وروحي. ولابد في وضع المناهج من ملاحظة كلا جانبيه، حتى تسعد حياته من كلا جانبيها .. كذلك.
إن ((المظاهر المادية)) في الحضارة الحديثة، إنما تلاحظ الجانب المرئي من الإنسان، وهو جانبه الدنيوي ـ المادي، وتهمل الجانب غير المرئي من الإنسان، وهو جانبه الأخروي ـ الروحي.
وبناء الإنسان على جانب واحد، يشبه إلى حد كبير بناء بيت على جدار واحد. فبالإضافة إلى أنه لا يسعد الإنسان، فإنه يفكك المجتمع، ويمزقه.
من هنا كان لابد أن نفهم الإسلام من الناحية المادية والمعنوية معاً وليس من ناحية واحدة فقط.
ولذلك فإن مجموعة كبيرة من واجبات الإسلام ذات أثر معنوي ـ أخروي بحت .. وأية محاولة لاكتشاف آثار مادية ـ دنيوية فيها فإنها محكومة بالخطأ.
إن الذين يفسرون مثلاً: ((الصلاة)) بأنها رياضة بدنية!
والصوم بأنه ((رجيم)) صحي!
والحد بأنه نزهة جماعية!
والزكاة، بأنها ضريبة جيدة!
والجهاد بأنه نوع من التدريب على السلاح!
هؤلاء يغفلون عن اعتقاد الإسلام القاطع في وجود جانب آخر غير مرئي للحياة البشرية، وهو الجانب المعنوي الخاص بالآخرة، والذي على أساسه نحن نرفض أية إيديولوجية لا تؤمن بالغيب وتقتصر نظرتها على حياة الإنسان في الدنيا ..
إن التفسير المادي لمبادئ الإسلام وشرائعه، يمكن أن يتحول إلى إدانة لهذه المبادئ والشرائع فيما لو قارنا بينها وبين عادات وتقاليد الحضارة المادية الحديثة.
فإذا كانت الصلاة رياضة بدنية، فإن ما لا شك فيه أن أنواعاً أخرى من الرياضة قد عرفها الإنسان، وبدأ يجني منها نتائج إيجابية ومثمرة ومفيدة ـ من الناحية المادية، مثل: الرياضة السويدية، والرياضة اليابانية، والرياضة الصينية.
ولا شك أنها أنواع جديدة من الرياضة، وهي أنجع بكثير من ((الصلاة)) لو اعتبرناها رياضة جسدية. ولو كانت الصلاة رياضة جسدية غلفها الاسلام بغلاف عبادي، لكان من المفروض أن تكون صلاة الصبح مثلاً: عشرين ركعة، وصلاة الظهر ركعة واحدة، لأن الرياضة الجسدية في الصباح أكثر فائدة منها في الظهر.
وأيضاً كان من المفروض في صلاة العشاء أن تكون أكثر من أربع ركعات، لأن المشي والتحرك بعد العشاء أكثر ضرورة من المشي والتحرك بعد الظهر. فهل تنفع في ذلك أربع ركعات فقط؟
وإذا سقطت الصلاة من الوجهة الرياضية فهل يسلم الصوم، من الوجهة الصحية فقط؟
أم هل يبقى الحج: ((نزهة جماعية)) والزكاة أجمل أنواع ((الضريبة)) والجهاد خير وسائل التدريب على ((السلاح))؟
إن فهمنا الإسلام، لا يكون عن طريق فرض الفكر المادي عليه، وإنما عن طريق فهم الحياة من زاويته الخاصة.
وإلا .. كان لكل واحد منا أن يسقط أي حكم إسلامي، إذا اكتشف فائدة أكثر في الحكم المخالف للإسلام، ولكان لكل واحد منا أن يحور أي حكم إسلامي من أجل جعله أكثر فائدة من الوجهة المادية.
وهذا ما يفعله الكثيرون من أبناء الجيل المعاصر.
فما دام الوضوء مجرد ((نظافة)) قالوا: إننا نستعمل الصابون، والبودرة والشامبو كل صباح، إذن فلا حاجة إلى الوضوء!
وما دام الحج مجرد ((نزهة جماعية)) قالوا .. نحن نسافر في رحلات سياحية ممتعة، إذن فلا حاجة إلى الحج!
وما دامت ((الشعائر الدينية)) مجرد ((تظاهرة بشرية)) قالوا .. نحن نستعمل تظاهرات حديثة، إذن فلا حاجة إلى ((الشعائر الدينية))!
وبعد ذلك هل يبقى الإسلام؟ أم يتحول إلى فقاعات شهوية تتغير وتتبدل كل يوم؟
إن مشكلة الناس الأساسية تكمن في أنهم يبحثون عن الدين الذي يبارك خطواتهم، ومواقفهم وأعمالهم.
وليس هذا خاصاً بهذا الجيل، وإن كان فيه أكثر بروزاً، فالذين عاصروا الرسول الأعظم (ص) أيضاً كانوا يفتشون عن دين يواكب شهواتهم ولا يحددها.
واليوم نجد الكثيرين من الشباب الساقط في حمي الشهوات يقول بين آونة وأخرى: أعرف أن الإسلام يقول كذا .. ولكنني لا أوافقه على ذلك.
وإذا سألته: لماذا؟
أجاب: ((أنه لا يلائم عقلي)).
عقله .. ؟
لا أظن أنه يحتكم إلى عقله في شيء. وإنما الذي يحتكم إليه شهوته. فما دام أن الإسلام لا يبارك أعماله وشهواته قال: لا أوافقه على ذلك ..
وقال في تبرير ذلك: ((عقلي))!
((إن الكثيرين من القراء عندما يقرأون كتاباً ـ أي كتاب ـ يحبون أن يكون صورة مخرقة ومشجعة لهم ـ كما هم ـ وبكل ما هم عليه من أفكار وعواطف، ومن خير وشر، وعندما يقرأون كتاباً دينياً يرغبون في أن يجدوا فيه، تبريراً لهم ليشهروا منه سلاحاً ماضياً على ضمائرهم ومجتمعاتهم التي تؤنبهم على كل انحراف. ومن هنا نجد اتجاه كل أصحاب فكرة ومصلحة، إلى الكتب التي تؤيدها وتبررها دون الكتب التي تنتقدها، وتشجبها، ونرى الذين يحلو لهم أن يكونوا ملتزمين يأخذون منه كل كلمة توحي بما هم عليه، ويعتبرونها دليلاً على عظمة ذلك الدين)).
((وانحسار الإيمان من العقول ترك فراغاً متعطشاً فاستغلته الأفاكر المتمردة التي تملي شعوراً عفوياً بأن الفرد أكبر مما هو، ومن واقعه وأن عليه أن يتبوأ مكانه الأعلى بالتمرد والرفض)).
القرآن مصدر الإسلام. وهو سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً.
(قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، أن أتبع إلا ما يوحى إليّ) ..
وإذا لم يكن للنبي (ص) أن يبدله، فهل يجوز لنا أن نبدله حسب الأهواء والشهوات؟

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com