|
فيصل العوامي
حتى يفهم العلم لا بد أن يقرأ مستقلا , أي بلا وسائط خارجية , لأن في كثير من الأحيان تسئ الوسائط فهم العلم , فتقدمه مشوها ولهذا فإن من قرأ الدين الإسلامي من أقلام النقاد وعلى رأسهم المستشرقين المنصفين منهم فضلا عن المتحاملين , تشوهت لديه معالم الدين وقيمه ومناهجه , والسبب في ذلك أن الخارج عن الدين لا يمكن أن يعرفه كما هو وإنما يعرف منه ما يتلاءم مع ظروفه النفسية والفكرية .
ولعله لهذا السبب أساء شيئا ما إلى طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي للتاريخ الأدبي للعرب والمسلمين , حيث أنه قرأ اأدب العربي وهو في فرنسا من خلال كتابه (في الأدب العربي) , ولهذا فقد أشكل العديد من النقاد على طه حسين من هذه الجهة , ونسبوا إليه بعد أن قرأ كتاب (في الأدب العربي) أنه تأثر بما فيه وبمجرد أن عاد إلى مصر شرع في تأليف كتابه وكرر ما أتى به (مرجليوث) .
إن العديد من المثقفين تحت تأثير الإندفاع والشغف العلمي ورغبة في توسيع دوائرهم المعرفية , يتسابقون على قراءة ما كتب من نقد حول العديد من العلوم الإسلامية والشرعية على وجه الخصوص , لكنهم لا يولون إلا إهتماما طفيفا بقراءة نفس تلك العلوم , فهم يقرأون ما كتب من نقد حول علم التفسير أو علم الأصول أو تطبيقات علم الفقه وما أشبه , ويشكلون لهم خطا في فهم هذه العلوم ويحددون على أساس ذلك مواقف عديدة أما نقدية أو تأييدية , بدون أن يقرأوا العلم نفسه ولا شك في أن هذا منهج خاطئ في التعامل مع العلوم .
لهذا فإن المثقف إذا أراد التعاطي مع ثقافة الدين فلا بد أن يبدأ بقراءة العلوم المتعلقة بتلك الثقافة قراءة مستقلة ويتعرف عليها من الداخل ويكتشف الغازها , فإن في كل علم غوامض ورمزيات لا يدركها بصورة حسنة إلا من يتباشر معها ويعيش أجواءها , وما كل ذلك إلا لكي لا يظلم المثقف عقله بتحميله ما لا يطيق من أفكار , ويظلم العلم معه .
ولقد أجاد المفكر (محمد أركون) حين مر على هذا الموضوع وقرر نفس النتيجة , ممع ما يؤخذ عليه من ملاحظات في تعامله مع نصوص وأصول الشريعة , فقد قال : (من الطبيعي أن ينرفز العلماء عندما يستخدم المرء النصوص المقدسة والتراث الموروث بشكل خاطئ أو عندما يتلاعب بها وبه بشكل تعسفي ولهذا ينبغي على المفكر المسلم الحديث أن يحتاط لنفسه جيدا ويجهز نفسه علميا بشكل لا غبار عليه فيطلع على كل ما يخص معرفة النصوص القديمة أو الشروط التقنية للإجتهاد الكلاسيكي , ينبغي أن يمتلك كل ذلك أولا , فلا يعتبره تحصيل حاصل , أو شيئا تراثيا لا قيمة له , ذلك أن الإنتقال من مرحلة الإجتهاد الكلاسيكي إلى مرحلة نقد العقل الإسلامي , ينبغي أن يصمم ويصور على أساس أنه إمتداد للإجتهاد الكلاسيكي وإنضاج له) .
ولا شك أن المثقف إذا قرأ العلوم الشرعية بهذه الكيفية فإن الكثير من مواقفه سيطرأ على التبدل وستكون أكثر إعتدالا من ذي قبل .
www.balagh.com
|