الدين والحياة

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

المحاسبة منهج العاقل

محمد حسين فضل الله
في الحديث عن النبي (ص) :(أكيس الكيسين) , والكيس هو العاقل , أي أعقل العقلاء (من حاسب نفسه) ليعرف ما يملك من أمور تؤدي به إلى سلامة المصير , (عمل لما بعد الموت) , باعتبار أن ما بعد الموت هو الذي يمثل المصير الدائم الخالد : أما إلى جنة وإما إلى نار , (وأحمق الحمقى) , والأحمق هو الذي لا يتحرك على أساس التوازن العقلي , (من إتبع نفسه هواه وتمنى على الله الأماني) , يتمنى بأن يدخله الله الجنة , من دون أن يؤكد ذلك بالعمل الصالح.
وفي حديث الرسول(ص) أيضا : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا), ومعناه أنه لا بد للإنسان من أن يجلس مع نفسه , كما لو أن نفسه هي هي إنسان آخر يحاسبه في ما عمل كل يوم , في حياته الخاصة والعامة , (وزنوها قبل أن توزنوا), في حساب يوم القيامة , والميزان هو ميزان الأعمال , وهو الذي يؤدي بالإنسان إلى مصيره سلبا أو ايجابا عند العرض الأكبر على الله سبحانه وتعالى.
ويقول الإمام علي (ع) : (حاسبوا أنفسكم بأعمالها , وطالبوها بأداء المفروض عليها) مما أوجبه الله (والأخذ من فنائها لبقائها) يعني الأخذ من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية (وتزودوا وتاهبوا قبل أن تبعثوا) حتى يبعث الإنسان وقد حزم أمره , وركز أوضاعه , ليقرأ كتابه بشكل واثق , والله تعالى يقول : (إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (الإسراء14) .
وفي الحديث عن الإمام علي (ع) أيضا : (حاسب نفسك لنفسك , فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك) , يقول الإمام علي (ع) , إن كثيرا من الناس يشغلون أنفسهم بحساب غيرهم على ما قاموا به وما عملوه , ولكنك لست مسؤولا عن حسابات غيرك لما فيما عمله , لأن غيرك سوف يقف غدا للحساب , ويتحمل مسؤولية كل أعماله و وأما أنت , فإنك تواجه حساب نفسك لنفسك.
وفي الحديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) : (يابن آدم و إنك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك, وما كانت المحاسبة من همك) , لابد لك من أن تعظ نفسك في كل ما تواجهه من أوضاع الحياة , وفي ما تتحمله من مسؤوليات و ليكون حساب نفسك الهم الأكبر في كل ذلك.
ويقول الإمام موسى الكاظم (ع) : (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم , فإن عمل خيرا إستزاد منه وحمد الله عليه , وإن عمل شرا استغفر الله وتاب إليه).
وهكذا نجد القيمة التربوية لمسألة دراسة النتائج السلبية أو الأيجابية لكل ما يقبل الإنسان عليه , وما قام به من مسؤوليات و أكملها أو قصر فيها , حتى يكتشف من خلال ذلك نقاط الضعف ونقاط القوة عنده, لأن الأمراض النفسية والعقلية والروحية والعملية كالأمراض الجسدية فإن إستطاع الإنسان أن يكتشف المرض في بدايته , فإنه يصبح لديه القدرة على معالجته بشكل أسهل مما لو اكتشفه بعد أن يتعمق في النفس أو في الجسد , لأنه من الصعب أن يعالجه بالطريقة التي يمكن أن يحصل من خلالها العافية أو الشفاء من هذا المرض , ولذلك أولى الإسلام عملية المحاسبة والدراسة النفسية إهتماما بالغا , لكي يستطيع الإنسان معها أن يكتشف نقاط الضعف ليحولها إلى نقاط قوة و وأن يكتشف نقاط القوة ليستزيد منها ما أمكنه ذلك , لأن هذه المسألة التربوية يتوقف عليها مصير الإنسان في نهاية المطاف.
(واتقوا الله) , وهنا نسأل :لماذا كرر الله سبحانه ذكر التقوى في بداية الفقرة ونهايتها؟
ربما يكون الأساس في ذلك , والله العالم , أنه في المرة الأولى , أكد أن على الإنسان أن يتقي الله في ما عمله في الماضي , مما يمكن أن ينتج تنائج سلبية أو أيجابية في مستقبل الآخرة , ثم اذا عرف الإنسان رصيده عند الله في ما يستقبله من العرض على الله سبحانه , ومن الوقوف بين يديه , أتقى الله في ما يقبل عليه من أمره , وذلك يعني أن على الإنسان أن يتقي الله في ما قام به , ليستغفر الله على ذنوبه , وليشكره على طاعته وعلى حسناته , ثم بعد أن يحكم أمره وبعد أن يجمع رصيده ويتعرف السلبيات والأيجابيات , يتقي الله من جديد في ما يستقبل من حياته , ليطيع الله فيما أمره به , وفي ما نهاه عنه .
(إن الله خببير بما تعملون) , وهذه هي الحقيقة الأيمانية الكبرى , وهي أن يعتقد الإنسان أن الله خبير بكل ما يعمله , وأنه (لا يعزب عنه مثقال ذرة)(سبأ 11) , وأنه (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)(غافر 19) , وأنه (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم)(المجادلة 7), فإذا اختزن الإنسان في أن الله مطلع عليه في كل أموره حتى وهو يفكر , وأنه يلاحق خطوات تفكيره , إنطلاقا من الأسس التي تقود العقل إلى الباطل , فيما يركزه من معادلات وفيما يستنتجه , لأن الإنسان عندما يفكر , فإنه يشعر بالأمن , فقد يفكر ويخطط لعمل الشر , كما هو شأن البعض الذين يسخرون ما أعطاهم الله من عقل في التآمر على الناس وخيانتهم , وسرقتهم, وظلمهم, وضد قضايا الخير لمصلحة الشر ...كل ذلك لأنه يشعر أن لا أحد يطلع عليه في ذلك , فإذا شعر الإنسان بأن الله يلاحق تفكيره , فإن ذلك يجعله يحرك عقله في الخير لا في الشر , وفي الحق لا في الباطل , وفي العدل لا في الظلم .
كذلك فإن على الإنسان أن يدرك أن الله يعرف نبضات قلبه , والقلب هو مركز العاطفة , وربما تتحرك العاطفة في غير ما يريد الله سبحانه وتعالى ويرضيه , وقد تتحرك فيما يرضي الله وفيما يحبه , كما ورد في بعض الأحاديث : (إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرا فانظر إلى قلبك , فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته , ففيك خيرا والله يحبك , وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته , فليس فيك خير والله يبغضك , والمرء مع أحب) , فإن الله يحشر الإنسان يوم القيامة مع الذين يحبهم ويخلص لهم , فإن كان يحب الأخيار حشره الله معهم , وإن كان يحب الأشرار حشره الله معهم , لأن الحب ليس مجرد نبضة في الشعور , أو خفقة في القلب , بل إن الحب أو البغض يتحول إلى حرمة للإنسان في الحياة , ولهذا , لابد للإنسان عندما ينبض قلبه بحب إنسان أو ببغض إنسان , أن يعرف أن الله يطلع عليه , وأن عليه أن يحب من احبه الله , ويبغض من أبغضه الله في ذلك كله.
وهكذا بالنسبة إلى أعمالنا العامة التي نعملها في حالة السر , ونحن نشعر بأنه ليس هناك من يطلع علينا , فنأخذ حريتنا في ذلك كله , فعلينا أن نراقب الله , وأن نعرف أن الله سبحانه وتعالى مطلع علينا في ذلك كله.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 

 
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com