|
الشيخ احمد البهادلي
يسترسل الكثيرون هنا في حياتهم اليومية بتصرفاتهم وفق ما هو مألوف في مجتمعهم ,من دون التفات وتأمل في أن هذا المألوف خطأ أم صواب,بل ربما كان الحكم عليه بالخطأ أو بالصواب ناشئاً عن كونه غير مألوف للناس أو للنفس أو كونه مالوفاً لديهم ولديها.
وإذا ما علمنا أن ما ألفته الناس إن هو إلا مجموعة من الاعتبارات التي تعمقت في نفوسهم نتيجة للجري عليها مدة طويلة,مما صيرها قواعد وقوانين وعادات مستقرة تصعب على النفوس مخالفتها أو يشق عليها الخروج عليها,ولربما كان مصدرها حادثة أو شخصاً لايحسن الاقتداء به وبما سنه.
إذا ما علمنا هذا فأول مايتعين علينا فعله في مجال إصلاح نفوسنا,أن نراجع هذه المجاميع الهائلة من الاعتبارات المألوفة,ونتتبع مصادرها,من أجل القيام بعملية فرز ما هو صحيح منها عما هو باطل.
بيد أن عملية الفرز هذه – مع انغمار الإنسان بهذه المفاهيم والفه لها – تحتاج الى البحث أولاً عن المقياس الذي على أساس منه يميز الحق والباطل والصواب والخطأ.
وإذا كان هذا المقياس مفقوداً لدى البعض ويحتاج للحصول عليه الى عناء في البحث,فإنه لدى المسلم – إن كان مسلماً حقاً – لايتعذر تحصيله ولا استخدامه لعملية الفرز هذه.
فالمسلم آمن بإله عادل عليم بعث محمداً (ص) نبياً ليبلغ الناس ما هو الحق وينهاهم عما هو الباطل,ويعرفهم مايصلحهم في الدنيا ومايؤول اليه أمرهم في الآخرة,وما ترك الكتاب والسنة شيئاً من أمر الدارين إلا وقد بينه.
إن المؤمن بهذا كله لايفتقد معيار الفوز,ولكن ليست مشكلة الانسان هي هذه فقط,كي يكون المؤمن بالإسلام لم يعد يواجه أية مشكلة في الجري والتصرف والتخبط ,فكم ممن ميز الحق من الباطل – كما يميز الشمس عن الظلام – وهو سادر بغيه !! فالمدمن على الخمر ,يدرك تماماً ما فيها من أضرار نفسية وصحية دنيوية وأخروية,وينهى كل من يحب من أبنائه وأصدقائه عن شربها,إلا أنه مع كل هذا مستمر على معاقرتها.
من هنا ندرك أن مسألة تهذيب النفس والجري وفق الصحيح من الأفعال هي مسألة تبلغ من التعقيد حداً لايشبهه أي تعقيد في المسائل الرياضية والطبيعية.
وان البشرية – بدون استثناء – لعاجزة عن حل هذا التعقيد,قال تعالى :"إنك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء وهو أعلم بالمهتدين".(القصص/56).
وإذا كان سيد المرسلين – بدون هدي الله تعالى – لايهدي من أحب,فما هو شأن غيره في الهداية الى الحق.
وعلى هذا تنحصر الهداية الى تصفية النفس – مما يشينها ويرديها – بخالقها سبحانه وتعالى.
www.balagh.com
|