الدين والحياة

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

تـرك التلبس بالذنـب

يختلف التلبس بالذنب باختلاف نوع الذنوب , فبعضها يتصور فيها التلبس أثناء الندم وبعضها لا يتصور , فقطيعة الرحم مثلا ذنب يتصور فيه التلبس في الماضي والحال والإستقبال , وكذا غصب الرحم مثلا ذنب يتصور فيه التلبس في الماضي والحال والأستقبال , وكذلك غصب المال وعقوق الوالدين وظلم الآخرين بالتسلط عليهم بدون حق , وأمثال هذه الذنوب القابلة للأمتداد على الأزمنة الثلاثة , وحينئذ لا يتحقق الندم بدون تحقق لازمه , وهو ترك التلبس بالذنب أثناء الندم عليه , فقاطع الرحم يصل رحمه , وغاصب المال يعيده أو يدفع عوضه إلى ذويه أو يسترضيهم , والمتسلط ظبما يرفع يده عمن تسلط عليه , والعاق لأبويه يبرهما , وهكذا يخرج مما هو فيه من ذنب كي يطون صادقا في ندمه.
أما مع استمراره على ما ندم عليه فإي ندم هذا؟ وحينئذ لا تتحقق التوبة , لأنها رجوع عن الذنب إلى الرب – جل شأنه- , وخروج من الظلمة وظلالها إلى النور وهداه , ومع فرض التلبس فيما يبعد عن الله تعالى لا يتصور الرجوع إليه والقرب منه , ومع فرض البقاء في الظلمات والتيه لا يتصور التحول إلى النور والهدى.
ومن الذنوب ما ليس له امتداد على الماضي والحال والأستقبال , كالجهاد في سبيل الله لمن تركه , ولم يحصل بعد الترك ما يقتضيه , وكالصوم بعد العجز عنه , فمن ندم على تركهما –والحالة هذه- لم يكن مكلفا بهما كي يلزمه ترك التلبس بالذنب , لأنتفاء موضوعهما بحقه , وحينئذ لا معنى لأشتراط ترك التلبس بالذنب في صحة الندم وفي حصول التوبة.
هذا كله في المنظار العرفي المبني على التسامح والعموميات , وإلا ففي الدقة إن كان تكليف بنوع من أنواع الواجبات أو المحرمات ينحل إلى عدة تكاليف باعتبارات كثيرة , ولنأخذ منها الزمان مثالا:
فالتكليف بصلاة الصبح مثلا وإن كان بالنظرة العامة تكليفا واحدا , إلا أنه ينحل إلى تكاليف عدة بالنسبة إلى الشخص الواحد , على عدد آنات الوقت المحدد لهذه الصلاة , فإذا افترضنا أن وقتها المحدد لها يتسع للأتيان بها عشرين مرة , كان التكليف بأدائها منحلا إلى عشرين تكليفا على نحو التخيير .
ففي الحصة الأولى من الوقت يجب عليه أن يؤديها , فإن لم يؤدها وجب عليه أداؤها في الحصة الثانية من الوقت , وهكذا إلى الحصة الأخيرة من الحصص العشرين التي يكون فيها الوجوب تعيينيا لا تخييريا .
والتكليف بحرمة الغصب ووجوب رد المغصوب ينحل إلى تكاليف متعددة بتعدد أزمنة الغصب وأزمنة إمكان الرد , وهكذا الحال في كل تكليف باعتبار الزمان , وقد يتعدد باعتبارات أخرى .
إلا أنه في حال انحلال التكليف الواحد إلى تكاليف عدة على نحو التخيير كما في مثال الصلاة , لا تصدق المعصية على مخالفة بعض التكاليف الداخلة في دائرة التخيير , وإنما تصدق على معصية الجميع؟
وأما في مثل الغصب فمخالفة كل تكليف من التكاليف الإنحلالية بجميع الأعتبارات هي معصية وذنب , فلا يكون النادم على ما مضى من أزمنة العصيان نادما بحق , مالم يخرج عن الذنب حين الندم.
ومع هذا كله يمكن القول بأن الذنوب جميعا متساوية من حيث قبول التوبة منها بالندم عليها فيما تصح التوبة منه , إلا أن الفرق بينها أن البعض منها – كالغصب – عندما ينحل التكليف – بتحريمه ووجوب رد المغصوب – إلى تكاليف متلاحقة ومتعددة فإن الندم على عصيان ما يسبق الندم منها وإن كان توبة ورجوعا إلا أن العصيات لما يزامن حالة الندم هو فعل معاكس للرجوع وحينئذ لم يبق أثر للتوبة لتكافؤ التوبة المقربة , بالعصيان الحالي المبعد.
وأما في مثل الصلاة فإن التوبة من تركها تحصل بالندم عليه وتقبل, وحيث لا تكليف بالأداء بعد العصيان وخروج الوقت ينتظر بالعبد حلول وقتها الآخر, فإن أدى الواجب فقد ترك التلبس بالذنب وقرب من المولى – تعالى , وإن عصى تكافأت التوبة المقبولة بالترك الجديد المبعد , ورجع العبد عن قربه إلى الله تعالى .
ونتيجة لما تقدم , فالندم وحده توبة , إلا أنها غير مجدية في القرب من الله عز وجل , ما دام العبد يبتعد عنه تعالى بتكرار الذنب.
ولعل هذا هو الوجه في اعتبار الخروج من الذنب وترك التلبس به شرطا في قبول التوبة , أي في جدوى الرجوع إلى الله سبحانه.
ويؤيده من الأخبار :
1- عن رسول الله (ص) قال : (من اقتطع مال مؤمن غصبا بغير حقه , لم يزل الله معرضا عنه ..., حتى يرد المال الذي أخذه إلى صاحبه) .
2- وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال : (التائب من ذنب كمن لا ذنب له , والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ) .
3- وعنه (عليه السلام) أيضا , وقد جاءه شيخ من النخع فقال الشيخ :
(إني لم أزل واليا منذ زمن الحجاج إلى يومي هذا , فهل لي من توبة ؟ فسكت (عليه السلام ) .قال السائل :
ثم أعدت عليه , فقال : لا حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقه)
4- عن أبي عبد (ع) قال :
(قال رسول الله (ص) من ظلم أحدا وفاته , فليستغفر الله له فإنه كفارة له).
إذن التوبة عن ذنب بعينه تتطلب –مضافا للندم- رد الحق إلى ذويه والخروج عن التلبس بالذنب , وإلا كان مستهزئا بنفسه بالرجوع للتوبة ثم العود من حيث رجع بفعل ما تاب عنه .
فإن تعذر عليه التخلص من حق الغير برده إليه , أو إلى ورثته بعد موته , أو التصدق به أو بقيمته عن ذمة المظلوم , أو استرضائه إذا كان الحق معنويا , فليستغفر الله له , ليكون هذا الإستغفار تعويضا عن الحق يوم القيامة , لأن الله سبحانه لا يدع مظالم العباد دون ردها أو رد عوضها إليهم .
فقد روي عن أبي جعفر (ع) قوله :
(الظلم ثلاثة : ظلم يغفره الله , وظلم لا يغفره الله , وظلم لا يدعه الله, فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك , وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله , وأما الظلم الذي لا يدعه الله فالمداينة بين العباد , وقد مر التعليق على هذا الخبر.
وبهذه الأخبار وأمثالها مما ورد فيه اشتراط ترك التلبس بالذنب في قبول التوبة من ظلم العباد , تقيد الإطلاقات الواردة في أدلة قبول التوبة –إن فسرت التوبة بالندم مطلقا , كإطلاق ما روي عن أمير المؤمنين (ع) :
من تاب تاب الله عليه , وأمرت جوارحه أن تستر عليه , وبقاع الأرض أن تكتم عليه , ونسيت الحفظة ما كانت كتبت) , فالجمع بين الأخبار يقتضي تقييد قبول التوبة مطلقا برد الحقوق إلى أهلها أو باسترضائهم .
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 

 
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com