|
إبراهيم الاميني
ترى من الذي يقدر على وضع هذا البرنامج وتنظيمه؟ هل يتمكن البشر, وحتى العلماء والعقلاء والمصلحون منهم أن ينظموا برنامجاً كاملاً ودقيقاً أو لا؟
اذا فكرتم قليلاً فسوف يكون ردكم بالنفي حتماً, وذلك لاسباب هي: أولاً: انما يستطيع ان يضع مثل هذا البرنامج من يكون عارفاً بالانسان حقيقة, ومن تكون لديه معلومات كافية عن اسرار جسم الانسان وروحه الملكوتية ودقائقها, وعن غرائز الانسان, وقواه وأحاسيسه ومشاعره, وميوله ورغباته, ومصالحه ومفاسده الحقيقية, كما يكون عارفاً بمقتضيات الزمان والمكان, ومواضع التزاحم بين القوانين واثاره. ومن المعلوم انه لا يوجد بين افراد البشر برمتهم مثل هذا الشخص.
وثانياً: على فرض ان يقدر البشر على وضع مثل هذا البرنامج الكافل لشؤون الانسان وحاجاته الدنيوية, لكنهم – ومن دون شك – لا يعرفون شيئاً عن اسرار روح الانسان الملكوتية ورموزها, واحتياجاتها المعنوية, وعن حياته النفسانية ومتطلباتها الدقيقة, كما لا يعرفون شيئاً عن الترابط العميق الموجود بين حياته الدنيوية الظاهرية وحياته الروحية الباطنية, وليست لديهم اية معلومات كافية وجوهرية عن عوامل تكامل نفسه, وأسباب تسافلها, ولهذا فهم لا يتمكنون أن يضعوا للناس برنامجاً كاملاً شاملاً.
وأساساً ان مراقبة الحياة النفسية, والعناية بتربية روح البشر الملكوتية أمر خارج عن نطاق مقدرة البشر, وعن تناول عقولهم القاصرة المحدودة.
وعلى هذا لا يصلح الانسان الذي تنقصه المعرفة والمقدرة اللازمتان لان يضع لنفسه قانوناً يكفل رفاه البشر, وراحتهم, وامنهم وسلامتهم وسعادتهم الدنيوية, كما يضمن تكميل نفوسهم وسعادتهم الاخروية.. انما الوحيد الذي يقرر على سن مثل هذه البرامج الكاملة والقوانين المتناسقة, ووضعها تحت تصرف البشر هو الله الخالق لهذا الكون, والموجد لهذا العالم.
ان خالق البشر هو وحده يعلم جيداً بما في كيان البشر وتركيبه الوجودي من اسرار ورموز, ويعرف بما اودع في جسمه وروحه من دقائق, معرفة كاملة, ويدري بمشاعره وغرائزه, وأحاسيسه وميوله, ويهتم بها.
وانه تعالى وحده الذي يعرف جيداً بكمالات الانسان الحقيقية ويعرف باسباب تعاليه ووسائل استكمال نفسه, او تسافلها وسقوطها.
ان الله الحكيم الذي يكون البشر جميعاً عند منزلة سواء, فهم جميعاً مخلوقوه, ومربوبوه من دون استثناء, فهو يحبهم جميعاً, ويريد سعادتهم وكمالهم من دون تمييز, ولا مكان للانانية, ولضيق النظر, والعصبية في ساحته المقدسة.
نعم ان الله وحده يمكنه ان يسن برنامجاً يكفل سعادة الانسان جسداً وروحاً, دنيا واخرة, وأن يضعه في متناول ايدي البشر عن طريق الانبياء الذين يصطفيهم ويختارهم بعناية, هذا مع العلم بأن الطاقة المطلقة تقتضي ان يفعل مثل هذا العمل, ولا يحرم عباده من هذا الفيض العظيم.
ان الله الذي هيأ أسباب التكامل والرشد, لجميع انواع الموجودات المادية ليمكنها من الوصول الى كمالها المطلوب عن طريق السعي والحركة, من غير المعقول أن يحرم النوع الانساني وهو الكائن المختار, والموجود الفاعل بالارادة, من ذلك الفيض العظيم, ولا يهيئ له وسائل وصوله الى الكمال المنشود.
ان الله تعالى الذي خلق الانسان بهذه الصورة الرائعة, وأودع في خلق جسده وروحه الاف الاسرار والرموز, وسخر لخدمته ومصلحته العالم المادي باسره, لا يمكن (ولا يعقل) ان يغفل عن سعادته الحقيقية, وكماله الواقعي, وغايته الوجودية, وبالتالي لا يضع طريق الوصول الى الكمال المطلوب اللائق به, في متناول يده.
من هنا يتحتم وجود الانبياء في حياة البشر, ويصبح ارسال الرسل أمراً ضرورياً لا مندوحة منه فيختار الله لايصال رسالته الى البشرية اشخاصاً ويبعث عن طريقهم البرامج والقوانين التي يحتاجون اليها.
ان الانبياء اشخاص مختارون اصفياء من البشر يوصلون رسالات الله الى الناس, ويقودونهم الى السعادة والكمال, ويحذرونهم من عوامل الشقاء والسقوط.
"يا بني ءادم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم ءاياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بأياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
"وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بأياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون".
المصدر/ كتاب دروس من الثقافة الاسلامية
www.balagh.com
|