الدين والحياة

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

حب الدنيا.. في منظار من يؤمن

د. الشيخ أحمد البهادلي
الحب لغة هو الوداد. وهو حال من أحوال النفس معروف بالوجدان، يصعب تصوره وتحديده، ويدرك بلوازمه وآثاره، فهو كالنفس من هذه الحيثيات،ومن آثاره الانشداد إلى المحبوب بالقرب منه روحا أو حسا وعدم الغفلة عنه، وتلبية أو امره ونواهيه إن كان ذا أمر ونهي، واستحسان ما يستحسن واستهجان ما يستهجن، وهو مما يقبل الشدة والضعف، وتختلف آثاره باختلاف مقداره، حتى يكاد أن يصل بصاحبه عند اشتداده إلى الاندماج الكامل في محبوبه وإلغاء ذاته. ويقابل حب الشيء الزهد فيه، بمعنى عدم الرغبة فيه أو احتقاره.
والدنيا لغة مشتقة من دنا دنوا ودناوة، بمعنى قرب.وهي- كما قال بعض أهل اللغة- نقيض الآخرة. وسميت حياتنا هذه بالدنيا لقربها من إدركنا الحسي، كما سميت الموجودات المحسوسة كلها بالدنيا لنفس السبب. فهي بهذا المعنى تقابل الحياة الآخرة وما فيها من موجودات، وسميت تلك الحياة وموجوداتها بالآخرة لبعدها عن حسنا ولأنها تلي الحياة الدنيا وموجوداتها في وجودها زمانا، ولذا يقال لها أيضا الحياة الأخرى.
ويجمع ذوو الأديان و كثير من الفلاسفة وبعض رجال العلم التجريبي المعاصر على أن النفس الإنسانية لا تفنى بموت الإنسان، وإنما هي باقية. وأما بقاؤها على أية حلة أو كيفية، مجردة أو مركبة مع غيرها، وهل الغير جسم مادي ملموس أوجسم أثيري شفاف؟ فكل هذه الأمور مختلف فيها حتى عند ذوي الأديان.
ومهما اختلفوا في هذه الأمور فهم متفقون أيضا على أن الوجود الدنيوي للنفس- نسبة لوجودها الأخروي – أقل كثيرا من وجودها في الرحم- نسبة الى وجودها الحسي في الدنيا خارج الرحم- سواء منهم من قال بخلودها المطلق، أم بخلودها المحدود، بل وصفها بعضهم بحلم في منام، يفارقه المتحسس به بالموت، مثلما يفارق النائم حلمه باليقظة والانتباه، مستشهدا على هذا هذا الوصف بظاهر ما روي عن أحد المعصومين (ع) أنه قال: (الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا).
وشبه الإمام أبو جعفر (ع) حال الانسان في دنياه- وهو منشغل في أفقها فحسب-، بدودة القز، فقال: (مثل الحريص على الجنيا مثل دودة القز، كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما).
وهكذا هي في منظار من يؤمن بأنها مرحلة قصيرة وقصيرة جدا إذا نسبت إلى الحياة الأخرى بعد الموت، بل بعد الولادة الجديدة، ويؤمن بأن سعادة النفس الخالصة من كل شائبة إنما تكون في الآخرة، فتكون من خلال هذين المنظارين- مع العمل الموصل لتلك السعادة- سجنا لا يطاق لولا أن شاء الله المكث فيه. ففي وصية النبي(ص) لعلي (كرم الله وجهه):
(يا علي الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر). جنة المتنعم بها دون أن يدرك ما أعد له بعد الموت من عذاب اليم، وما أعد للمؤمنين من سعادة خالدة يفوق بعضها كل سعادة الدنيا. بل إن الدنيا بكل ما فيها من سعادة عاجلة مفترضة لا تساوي- عند من يرى تلك الآخرة- جناح بعوضة.
ولذا روي عن جعفر بن محمد عن آبائه, في وصية النبي(ص) لعلي أنه قال:
(يا علي إن الدنيا لو عدلت عند الله جناح بعوضة لما سقي الكافر منها شربة ماء. يا ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو يتمنى يوم القيامة انه لم يعط من الدنيا إلا قوتا). ولعل منشأ هذه الامنية ما يدركه، الناس يوم القيامة من عظيم سعادة المقلين من شان الدنيا والعاملين للآخرة والمتذوقين حلاوة حب الله تعالى بالقرب منه. ولذا يقول أبو عبد الله فيما روي عنه:
(إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله فلم يشتغلوا (يشتغل) بغيره، إن القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو).
www.Balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 

 
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com