|
* سعيد بنسعيد العلوي
قد يجد البعض في عنوان هذا الحديث نفحة (نهضوية) في حد أدنى من القول، وقد يلمس فيه البعض الآخر تضميناً لإشكال من الاشكالات الكبرى التي أثارها (فكر النهضة) في نهاية القرن التاسع عشر؛ وفي اتصال خلال العقود الخمسة الأولى من القرن العشرين.
وبالتالي فإن (عصر النهضة) هذا يشكل في الفكر العربي الاسلامي المعاصر مرجعية قارة يرجع إليها باستمرار بجانب مرجعية أخرى متغيرة، هي (السلف الصالح) أو (العصر الذهبي) أو زمان (الاسلام الأول) وما في هذا المعنى. والحق أن في زماننا هذا عوامل وأسباباً كثيرة ومتنوعة، تحمل على المقارنة بين أحوال المسلمين والاسلام (اليوم) وبين أحوالهم في (عصر النهضة) هذا. فالمسلمون في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أو بلدانهم بالأحرى، كانت هدف أطماع القوى الإمبريالية، والتسابقُ على احتلالها بلغ من المنافسة والمؤامرة والاتفاقيات (الدولية) مدى بعيداً.
وبلاد الاسلام اليوم، بحسبانها أسواقاً لتصريف السلع والبضائع ومراكز للاستثمار التجاري وأرضاً للإنتاج الصناعي، هي قبلة الشركات العالمية المتعددة الجنسيات ووجهة الساعين وراء الربح واستخلاص الصناعات الملوثة للبيئة بأثمان زهيدة. والاسلام اليوم أصبح مرة أخرى في المواجهة، بل إن حالة غريبة من (الخوف من الاسلام)، لا يتردد أصحابها في التصريح بها، تستغرق الكثير من أحاديث رجال السياسة والمال، فضلاً عن الكتاب وأرباب الصحف والمجلات.
فهل يمكن الحديث إذن عن (مماثلة) أو حال من التشابه على الأقل بين ما عليه الواقع اليوم وبين ما كان عليه قبل قرن من الزمان؟ وهل يجوز الكلام عن استمرار واتصال بين ما كان مفكرو الاسلام في (عصر النهضة) يذيعونه من رأي، وما نقرأه اليوم عند أبناء الحركات الاسلامية المعاصرة ودعاتها؟
لا يطيق منصف، يجيد الإصغاء إلى صوت التاريخ ويحسن النظر في منطق الوجود وسنة الحياة، أن يقول في السؤال الأول بما يفيد الإيجاب والتأكيد. فسنة الحياة هي التبدل والتغير، ومنطق الوجود ودرس التاريخ يعلمان المرء أن بوناً شاسعاً يقوم بين مجمل الشروط السياسية والاقتصادية والفكرية (ومن ثم الحضارية العامة) على نحو ما كانت عليه في القرن التاسع عشر، في نهايته، وبين ما هي عليه تلك الشروط في عالم اليوم، سواء اتجهنا شرقاً أو غرباً، شمالاً أو جنوباً. صورتان اثنتان بينهما اختلاف ومغايرة مهما يكن من نظر فيها من جهة مظاهرها وعلاقاتها الظاهرة، أو من محاولة إلى النفاذ فيها والنظر إليها من جهة الإدراكات والأحاسيس والوعي بالذات.
أما السؤال الثاني (الاتصال أو الانفصال) في الفكر بين إنتاج (عصر النهضة) وإنتاج (اليوم)، فهو يقتضي منا أن نجعل الصورتين بجوار بعضهما البعض، وأن نستقرئ ما بينهما من أوجه التشابه والاختلاف حتى ننتهي إلى قول معقول ورأي مقبول في القضية.
والباحثون في الفكر العربي الاسلامي المعاصر يذهبون في مساندة هذا الرأي أو ذاك مذهبين مختلفين: مذهب أول يرى أن هذا الفكر واحد وإن اختلفت مظاهره وتنوعت أنماطه التعبيرية، متصل وإن بدا أن الوقائع والأحداث السياسية الكبرى التي عرفتها البلاد الاسلامية في الأزمة المعاصرة متفقة على القول بتقسيمه في مراحل وأطوار تقوم بينها القطيعة والانفصال. ومذهب ثان يرى، على خلاف الأول، أن الاختلاف في الأطوار التاريخية التي عرفها العالم الاسلامي بين نهاية القرن التاسع عشر، والعقود الماضية من القرن العشرين، هي من القوة والشدة بحيث إن التيارات المذهبية التي واكبت تلك الأطوار وعكست الصراعات التي شهدتها لا تترك مجالاً للحديث عن وحدة ولا عن اتصال في الفكر الاسلامي المعاصر؛ إلا أن يكون ذلك الحديث وهماً وسراباً.
فأما دعاة الرأي الأول فإنهم يحتجون لمذهبهم بأن الاختلاف في اللغة بين الحدة واللين، في هذا النتاج الفكري، لا يبلغ ما يبرر القول بفصل وانقطاع بين مختلف المراحل والأطوار في حياة هذا الفكر. قد نجد، على سبيل المثال، أن في خطاب المتأخرين حدة في القول حين الحديث عن الدولة الاسلامية ومعناها، ونجد عند أصحاب هذا الخطاب دعوة صريحة، مباشرة إلى تقويض دعائم (الدولة الحديثة) مقدمة وشرطاً لتحقيق (الدولة الاسلامية)، في حين أن عند الأوائل ما يفيد مساندة الدولة الحديثة (أو مهادنتها على الأقل). ولكن هذا الاختلاف لا يخرج عن القول بمعاني اليقظة والتجديد والبعث الاسلامي وما شاكل ذلك من المفاهيم التي ظل الفكر الاسلامي في (عصر النهضة) يدور في فلكها، فهو لم يخرج عن الإشكالية العامة، الواحدة، في الفكر الاسلامي المعاصر، إشكالية الدولة الاسلامية في الوجود الاسلامي المعاصر.
وأما حجج الفريق (الآخر) فإنهم يلتمسونها في ما يقضي به علم الاجتماع السياسي وما يقول به برنامجه وتحكم به طرقه في التحليل ومنهجه في المعالجة. وبموجب هذه الأمور كلها، فإن خطأ في النظرة وقصوراً في الفهم يظلان ملازمين لكل مَن يقول بالتطابق أو يحكم بالتشابه الشديد بين الاسلام (من حيث النظر إليه) والمسلمين (من حيث أحوالهم: نظرهم إلى الآخرمن حولهم، ونظرا (الآخر) إليهم) أيام الأفغاني وتلامذته من جهة أولى، وبين أحوال الاسلام والمسلمين زمان السيد قطب والترابي والغنوشي وأضرابهم ... وإذن، فإن الحديث عن استمرار واتصال في الفكر وفي الوجود السياسي والاجتماعي والحضاري بين كل مَن فكر (عصر النهضة) وفكر (الحركات الاسلامية) اليوم محض خطأ وتوهم.
وغني عن البيان أن النقاش بين المذهبين ليس مجرد جدل نظري، وليس الحامل عليه طلب المتعة الفكرية الخالصة، بل إن الداعي إليه هو هم الحاضر والحاجة إلى حسن فهمه واستيعابه. وبالتالي، لا نزال في حاجة إلى النظر المقارن في (فكر النهضة)، ولا يزال استحضار مرجعية الماضي القريب (بالقياس إلى عمق التاريخ الاسلامي وتشعبه) أمراً ضرورياً للفهم والعمل معاً.
إن استحضار الماضي توطئة، لا انفكاك عنها، للنظر في مشكلاتنا السياسية والاجتماعية والفكرية اليوم. وللتأهب لولوج قرن جديد، في عالم جديد، ليس للاسلام ولا للمسلمين أن يقفوا فيه عند الأطراف؛ ولا أن يكونوا من القافلة الانسانية في الصف الأخير.
|