الدين والحياة

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

في بيان أحكام الأيْمان

* حوار: سلوى النجار
* المحاور: الواعظ زكريا محمد الحمقة
للأيْمَان شأن عظيم في الدِّين، فهي على كثرة جَريانها على الْسنَة الناس بقصد أحياناً، وأحياناً أخرى بغير قصد ولا نية، إلا أنها تأكيد لأمر ما بذكر اسم الله تعالى، وكفَى بذلك سبباً لحفظها والوفاء بها.
كَثُر على الْسِنَة الناس اليوم الأيمان والحلف، فوجب بيان فقَهها، وتوضيح أنواعها وأحكامها. يتحدث في هذا الموضوع الواعظ زكريا محمد الحمقة، من مكتب الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في رأس الخيمة، حيث يستهلّ حديثه مُوضِّحاً المقصود باليمين. فيقول مُبيِّناً أنّ اليمين في اللغة هي القوّة. قال الله تعالى: (لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) (الحَاقَّة/ 45). أي بالقوّة. واليمين في الشرع، هي توثيق كلام غير ثابت المضمون، بذكر أحد أسماء الله عزّ وجلّ، أو ذكر صِفَة من صفاته بصياغة مخصوصة.
ولا تنعقد اليمين إلاّ إذا أقسم الحالف بالله تعالى أو أقسم بأحد أسمائه أو صفاته الخاصة به جلَّ وعلا. أما الحلف بغير الله، فحرام وغير جائز شرعاً، ولا تنعقد اليمين به. قال رسول الله (ص): "ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفُوا بآبائكم، فَمَن كان حالِفاً فليحلف بالله وإلاّ فليصمت"- أخرجه البخاري.
ولابد من تعظيم الله تعالى في الأيمان، فيجب على المسلم أن يُعظِّم اسم الله تعالى، ويبتعد عن كثرة الحلف، ويتجنب الكذب في اليمين، فإنه من سوء الأدب مع الله عز وجل، أن يجعل الإنسان من اسمه تعالى، تكأة في مكالماته ووسائل إقناعه وتأثيراته في الآخرين. قال تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة/ 224).
- أحكام اليمين:
والأيمان من ناحية حكمها قد تكون محرّمة أو مُباحَة أو مندوبة أو واجبة، فأمَّا اليمين المحرَّمة فهي تلك اليمين التي تكون على فعل أمر مُحرَّم، أو ترك واجب، أو على شيء كاذب لا أصل له. وهي مُباحَة إذا كانت على فعل طاعة، أو تجنُّب معصية، أو إرشاد إلى حق، أو تحذير من باطل، ومن ذلك قول النبي (ص): "فوالله لا يَمَل الله حتى تَمَلُّوا". وتكون اليمين مندوبة إذا كانت وسيلة للتأثير في السامعين، وسبباً في تصديقهم لموعظة أو نصيحة، وهي واجبة إذا كانت لإنصاف مظلوم أو بيان حق أو إنقاذ نفس.
- أنواع اليمين:
للأيمان ثلاثة أنواع بيَّنها الشَّرع وأوضح الأحكام المتعلقة بكل منها، وهي يمين اللغو، اليمين الْمُنعقِدة واليمين الغَوُس. فأمَّا اليمين اللغو فهي تلك اليمين الدارجة على ألسنَة الناس، التي لا يقصدون بها تحقيق شيء ولا توثيقه، كقول الرجل "لا والله، بَلَى والله"، وهذه اليمين لا يترتّب عليها شيء. قال تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة/ 225).
أما اليمين المنعقدة فهي قد تكون على الماضي، كقول القائل: والله ما فعلت كذا، أو والله لقد فعلته. قال الله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا)- (التوبة/ 74). واليمين تكون على المستقبل، كقول القائل: والله لأفعلَّن، ومنه قول رسول الله (ص): "والله لأغَزُوَنَّ قريشاً"- أخرجه أبو داود. وكما أشرنا سابقاً، فاليمين لا تنعقد إلاّ إذا أقسم الحالف بذات الله تعالى كقوله: أقسم بذات الله، أو أقسم بالله، أو أقسم بأحد أسماء الله الخاصة به، مثل رب العالمين، ومالك يوم الدين، والرحمن، أو أقسم بصفة من صفات الله تعالى كقوله بعزَّة الله، أو بعلم الله، أو بإرادته، أو بقدرته.
- البرُّ باليمين أو الحنث بها:
إذا تحققت في اليمين شروطها، وهي أن يكون صاحبها بالغاً عاقلاً، وأن يكون القسَم بذات الله أو بأسمائه أو بصفاته، ولم يكن لغواً، فلابد أن يؤول أمر هذه اليمين، إمَّا إلى البِرّ بها. وإمَّا إلى الحنث بها. والبر باليمين يقصد به أن يحقق الحالف رجلاً كان أم امرأة ما التزمه بيمينه. إن كان وعداً وأن يكون صادقاً فيه إن كان إخباراً عن شيء ثابت. أما الحنث باليمين فأصله هو الذنب، ومعناهه ألاّ يحقق الحالف ما قد التزمه، إن كان وعداً والتزاماً، أو يكون كذّاباً فيه إن كان إخباراً.
فإذا ألزم الحالف نفسه بوعد أو التزام هو قادر على القيام به، وكان على فعل خير أو معروف أو طاعة وجب عليه أن يقوم بها، وبهذا يرفع عهدة المسؤولية عن نفسه. وأمّا إذا ألزم نفسه بوعد أو فعل شيء فيه معصية لله، أو ضرر يُوقعه بنفسه أو بغيره، كَمَن يقسم بأنه يريد أن يترك الصلاة، أو يُخاصم إخوانه، أو يقطع أرحامه، فهذا يلزمه أن يتراجع عن يمينه، ويكفّر عنها. قال رسول الله (ص): "مَن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليَكفّر عن يمينه"- أخرجه مسلم.
- كفّارة اليمين:
من فضل الله علينا، أن جعل لنا مَخرجَاً ومتنفَّساً من المأزق الذي نضع فيه أنفسنا باليمين، فقد نعجز عن الوفاء بما التزمنا به، أو قد نحلف على فعل معصية، أو ترك طاعة، فجعل الله لنا كفّارة اليمين تيسيراً علينا ورفعاً للحَرَج، ودَفْعَاً للضَّرر، وعلى هذا لا يجوز لأحد أن يتذرَّع باليمين ليبقَى على المعصية، ويصرّ على الخصام وقطع الأرحام. وأكبر دليل على نعمَة الله العظيمة في الكفّارة، أنَّ الله تعالى خَتَم آية الكفّارة بطلب الشكر من عباده، أن جعل لهم التيسير في الأيمان بإعطاء الكفّارة، قال الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة/ 89).
وكفَّارة اليمين كما جاء تفصيلها في الآية القرآنية الكريمة، هي:
أولاً: عتق رقبة مؤمنة، والمراد بالرقبة عبد أو أَمَة، وهذا إنّما يكون عند وجود الرقيق.
ثانياً: إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مُدّ حَب من غالب قُوت بلده، وفي الإمكان أن يدفع القيمة، أو يُوكِّل إحدى الجمعيات الخيرية بالإطعام وهو الأوْلَى.
ثالثاً: كسوة عشرة مساكين ممَّا يعتاد لبسه، فإن عجز عن تحقيق شيء من هذه الأمور الثلاثة، بأن كان مُعسراً، وَجَب عليه صيام ثلاثة أيام.
- الاستهانة باليمين خطأ مبين:
وقد استهان بعض الناس باليمين فأكثروا منها، واستعملوها وسيلة لترويج بضاعتهم، وإنفاق سلعهم. يقول رسول الله (ص): "الحلف مُنفقة للسلعة مُمحقة للبركة".
لذا يتعيَّن على كل مَن وقع فيها، أن يبادر فوراً لإعادة الحقوق لأصحابها قبل ألاَّ يكون هناك درهم ولا دينار، قال رسول الله (ص): "مَن كانت له مَظلَمَة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحللّه منه اليوم قبل ألاَّ يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مَظلَمته، وإن لم تكن حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه".
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 

 
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com