قضايا معاصرة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

أحزاب عربية... وديموقراطية بلا ديموقراطيين
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* خالد الحروب
في أكسفورد (بريطانيا) تلتقي صيف كل عام مجموعة من المثقفين والمفكرين العرب في إطار مشروع رصين بعيد من الصخب والضجة الاعلامية اسمه "مشروع دراسات الديموقراطية في البلدان العربية"، يشرف عليه أكاديميان وباحثان عربيان يستحقان كل التقدير على جهودهما التطوعية لرعاية المشروع، هما علي الكواري ورغيد الصلح. في كل لقاء، وعلى مدار ثلاثة عشر عاماً، تناقش المجموعة محوراً معيناً من محاور الهم الديموقراطي العربي، ثم ينشر النقاش في كتاب مجمل. في اللقاءات الماضية نوقشت افكار ومحاور تشكل اسساً من أسس الجدل عن المسألة الديموقراطية وضرورتها وآليات تطبيقها في البلدان العربية، وتنوعت الافكار التي نوقشت ونشرت من التنظير التأسيسي للمبادئ الديموقراطية وملاءمتها للمجتمعات العربية، الى موقف التيارات الفكرية والسياسية العربية إزاءها، الى أثر الضغط الخارجي وعلاقته بالتغيير الديموقراطي الداخلي وغير ذلك من مواضيع كثيرة. وعدا عن اللقاءات السنوية، يشرف المشروع على عدد من الدراسات الميدانية الخاصة بتجارب لها علاقة بالانتقال نحو الديموقراطية في عدد من الحالات العربية. هذه المقدمة المطولة بعض الشيء مقصودة وهدفها التأكيد على امر اساسي وهو ان الهم الديموقراطي والانشغال به هو هم عربي اصيل وليس ناتجاً من الضغوط الخارجية التي تمارس الآن، وهو بعيد من التهويمات الاميركية التي اكتشفت فجأة غياب الديموقراطية في المنطقة وتريد ان تفرضها لأسباب لها علاقة بالأمن القومي الاميركي اكثر من علاقتها بمصلحة الشعوب العربية. والجهد الفكري المهم الذي تقوم به مجموعة "مشروع دراسات الديموقراطية في البلدان العربية" هو جهد ريادي نابع من المنطقة ومتكامل مع جهود اخرى اصيلة اهميتها تكمن في انها منطلقة من هموم داخلية وان بوصلتها عربية وهدفها مصلحة الشعوب العربية.
اللقاء الذي عقد أخيراً كان عن الديموقراطية داخل الاحزاب العربية، وهدفه توسيع النقاش باتجاه ضرورة انعاش الممارسة الديموقراطية ليس فقط في الاطار التقليدي المعروف: بين الدولة والمعارضة، ولكن ايضاً داخل المعارضة ايضاً. وتناول اللقاء تحليلاً للممارسة الديموقراطية، او غيابها، في حالات الاحزاب المختلفة بتنوع ايديولوجياتها: الانقلابية، والثورية الجماهيرية، والقومية (وخصوصاً حركة القوميين العرب)، والشيوعية، والاسلامية، وثم الاحزاب الحاكمة في العالم العربي (مثل حالات سورية ومصر وتونس وموريتانيا). واختتم اللقاء بجلسة مفتوحة تحت عنوان "مشكلات واشكاليات بناء احزاب ديموقراطية".
ثمة الكثير من الملاحظات المهمة التي يمكن ان تسجل هنا ولها علاقة بموضوع النقاش. اولها ان غياب الديموقراطية في الممارسة السياسية العربية لا يتوقف عنـد طبـيـعة النمط الاستبدادي الذي وسم انماط الحكم وأنظمته ويسمها في العالم العربـي، بل ان ذلك الغياب يتمدد ليشمل الممارسة السياسية داخل الاحزاب العربية نفسها، سواء في مراحل عملها السري ام العلني، وسواء أكانت معارضة أم حاكمة (على رغم ان الوضع في حال الاحزاب الحاكمة تحديداً هو اقرب للصورة الكاريكاتورية الفضائحية). تلك الممارسة الداخلية الحزبية بدت في معظم الاحيان وكأنها صورة طبق الاصل عن الممارسـة التي يمارسـها الحكم نفسه بحـق تلك الاحزاب. فالرجـل الاول في الحـزب، القيادة التاريخية، يتمترس في كـرسـي الزعامة طوال عقود منافساً في طول فترة زعامته تلك طول الفترة التي يقضيها الحاكم الذي يعارضه. وآليات التعيين والترقيـة وتسلم المسؤوليات في الحزب لا تختلف احياناً عن تلك الآليات في النظام الذي يُعارض، حيث المحسوبية والشللية وغياب الشفافية وعدم تناسب المنصب مع الكفايـة. لكن هذا الوضع، وهذه هي الملاحظة الثانية، ليس معناه ان الوضع السياسي العربي من دون احزاب هو افضل منه بوجودها، كما يصطاد بخبث انصار الانظمة وأبواقها الدعائىة. فجزء كبيـر من الممارسـة الديكتاتورية داخل الاحزاب العربية، وغياب الديموقراطية، هو ناتج من مناخ السرية الذي عاشته هذه الاحزاب حيث انعدمت الاجواء التي يمكن من خلالها تطبيق الانتخابات الداخلية، او الدورية في تسلم المسؤوليات وسوى ذلك. وفي شكل عام وتقريري لا يمكن تخيل حياة سياسية حديثة وديموقراطية من دون احزاب. صحيح ان هناك فساداً مرافقاً للحياة الحزبية حيثما وجدت، حتى في ارقى النماذج الغربية الديموقراطية، لكن هذا لا يعني بحال ان يكون الانزلاق باتجاه حظر الاحزاب كما هي الحال في الكثير من الحالات العربية.
أما الملاحظة الثالثـة فمتعلقـة بأداء الاحزاب العربية، الديموقراطي الداخلي، خلال مراحل الانفتاح السياسي ولو الجزئي. فقد لاحظ كثيرون، بحق، ان الممارسـة الديموقراطية الداخلية تتوازى ايجاباً مع درجات الانفتاح السياسي، كما حدث ويحدث في مصر واليمن والاردن والكويت والمغرب. ففي الحالات التي مرت فيـها الاحـزاب في حقبة من العمل السري ثم انتقلت الى العمل العلني يمكن بوضوح رسم فروقات بارزة من ناحية تطبيق الانتخابات الداخلية، وعلو نبرة النقد الذاتي، وانقضاء عهود القيادات التاريخية (في الاردن مثلاً قضت قيـادات العمل الشيوعي والعمل الاسلامي عقوداً من الزمن وهي مسيطرة على احزابها، ولم تتغير إلا مع حدوث الانفتاح السياسي ولو الجزئي في آخر الثمانينات). معنى ذلك ان المسؤولية الاكبر إزاء اشاعة مناخ ديموقراطي صحي تتطور فيه حركة المجتمع وتياراته السياسية تقع في المقام الاول على الانظمة الحاكمة وتستوجب حلّ قبضتها القوية عن الحكم بالتدريج.
لكن ذلك لا يعفي بحال الاحزاب والتيارات المعارضة من مسؤولية كبيـرة تتمثل في امرين: الاول هو خلق نموذج عمل سياسي مخالف في طريقة ادائه وفي ديموقراطيته وشفافيته النظام القائم ومتفوق عليه، في شكل يقنع الشرائح الاوسع من المجتمع ان البديل عن الوضع القائم يستحق التضحية والانحياز لأجـله. فالسـؤال الذي يـردده كثيرون وعلى وجه حق هو ما الفائدة التي سيجنيها المجتمع من تغيير الوضع القائم واستبداله بأحزاب لا تختلف في جوهر ممارستها اللاديموقراطية عن الحكم الذي يراد تغييره؟ وهنا لا تهم الايديولوجيا او فكر الحـزب المعني اذا كان هناك غياب كامل للجوهر والممارسة الديموقراطية فيه، اذ سرعان ما سيتحول الى نمط مستبد يدوس الافكار التي ينادي بها في لوائحه الحزبية (وأمثلة الاحزاب البعثية واليسارية والاسلامية التي وصلت الحكم تمثل اكثر من دليل على ذلك).
الامر الثاني يتمثل في عدم الانزلاق في مسائل وصراعات جانبية تافهة، ضد بعضها البعض في غالب الامر، على حساب الصراع من اجل القضايا الكبرى، وفي مقدمها داخلياً تكرس الخيار الديموقراطي وتوسيع المكتسبات المنتزعة من نظام حكم الوضع القائم. فما نراه في كثير من الاحيان هو ان اي انفتاح سياسي جزئي يتولد منه تناسل هائل لعدد كبير من الاحزاب (الاسمية التي لا عضوية لها، ولا هدف لها سوى توفير منصب ولقب للمؤسس). ثم تنخرط هذه الاحزاب في صراعات بينية هامشية ومعارك تافهة في الكثير من الاحيان بما يريح النظام القائم ويحرف بوصلة الصراع الحقيقية التي هي الوصول الى دمقرطة اوسع، وتحقيق خروق اوسع في حائط انسداد الأفق السياسي الذي يجهض العمل العام في البلدان العربية، وهذا يحتاج الى تفصيل اضافي.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com