مصطفى حجازي
يبلغ الإنفاق الإعلاني العالمي راهناً حسب تقديرات الخبراء حوالي 620 مليار دولار سنوياً, أي مايقرب من ضعف الدخل العالمي من النفط.
وهو مرشح الى التزايد كي يصل, تبعاً لبعض التقديرات , الى حوالي 1000 مليار دولار في الاعوام اللاحقة.
ولازالت المنطقة العربية تعتبر عموماً متواضعة مقارنة بالدول ذات الكثافة الإعلانية.
ولهذا فإن العاملين في هذا المجال من العرب يشحذون قواهم لزيادة الإنفاق بما يتمشى مع المستوى العالمي.
وكأن هناك تأخر يجب تداركه كما هو شأن الصناعة أو التعليم! ويتحدث هؤلاء عن مؤشرات مشجعة لتوسع السوق الإعلانية العربية.
وكأن هذا التوسع هو برهان على دخول العرب في اقتصاد السوق ومنافسته.
أصبح الإعلان صناعة تقوم على أسس فنية وعلمية, وتعمل فيها فرق متعددة الاختصاصات.
وهي تعرف قوة وفاعلية متزايدتين لهذا السبب.
يدخل فيها كل علوم التأثير ,ابتداء من مبادىء الإحساس والإدراك والتنبه, والمؤثرات الصوتية واللونية والحركية والإيقاعية.
وفي الإعلان تمارس أكثر درجات التقنية التلفزيونية تطوراً كي تأتي الرسالة الإعلانية مكثفة قوية مؤثرة فاعلة تخترق الوعي مباشرة, وتتراكم في الذهن بدون حاجة الى تأمل أو تحليل.
المهم الانفعال بهذه الرسالة والاستسلام لها ولآثارها.
ومن أجل ذلك توظف شركات الإعلانات العالمية الخبراء في علم النفس والتحليل النفسي والأنتربولوجيا, وعلم النفس الاجتماعي, وعلم الاجتماع لدراسة دوافع الجمهور وسلوكاته وعاداته وقيمه وتفضيلاته, ونقاط مقاومته, ونقاط تجاوبه.
كما تدرس تأثير الجماعة وضغوطاتها والمحاكاة التي قد تتحول الى عدوى.
من خلال هذه المعرفة الدقيقة تقدم الإعلانات كي تجد منافذ التقبل مفتوحة أمامها, وكي تتجنب الاصطدام بنقاط المقاومة.
نحن إذاً في صناعة الإعلان المتقدمة إزاء الاستخدام الأكثر شغلاً وكثافة لتقنيات التأثير وعلومه.
ومن المعروف أن الأمر لايقف عند هذا الحد, بل هو يتجاوزه لعقد جلسات التفاكر "العصف الذهني", حيث تقوم جماعة من الخبراء بإطلاق العنان لخيال أعضائها كي تولد الأفكار الأكثر طرافة وجدة, وإمكانية تأثير ونفاذ, أو خروج عن المألوف ,كي تصاغ في إعلانات مشغولة عن مختلف السلع.
كل هذا يشكل تطورات متجددة لأساسيات علم الإعلان الحديث الذي يقوم على مبادىء تعديل السلوك والتأثير فيه.
المرتكز الأساسي في هذه المبادىء ذات الطبيعة المحايدة, أو قليلة الجاذبية, تربط بشكل أو بآخر بموضوع أو موقف أو شيء ذي جاذبية عالية للمستهلك.
ومن خلال هذا الاقتران تكتسب السلعة (موضوع الإعلان) قيمة استهلاكية وخيالية ووجدانية ليست لها بالأصل.
البيبسي تركز مثلاً, إضافة الى جمال الصورة واللون والإيقاع الذي يفتح الشهية ويثير الإحساس بالعطش والدافع الى الشرب لإرواء هذا العطش, إضافة الى هذا البعد الفسيولوجي ,تركز أساساً على الشباب ومرح الشباب.
ومن هنا أصبحت تعتبر مشرورب الشباب.
وبرزت منه تسمية الشباب الراهن عالمياً باسم "جيل البيبسي".
يربط في الكثير من الإعلانات عن البيبسي بين هذا الشراب, وبين موقف شبابي فيه مرح, أو مغامرة, أو دعابة,أو إثارة.
وفي كل الاحوال هو موقف يبدو أن الشباب فيه متميزون بانطلاقتهم.
هؤلاء المتميزون يشربون البيبسي.
ويصبح هذا الشراب بالتالي هو شراب الشباب المتميز.
فكيف يمكن مقاومة هذه الحالة, إذا كان كل شاب بحاجة الى الإحساس بالتميز, الإحساس بأنه يعيش دنياه بضحك ولعب, وفرح ومغامرة ؟!
الكوكاكولا تربط بالبطولات الرياضية والملاعب العامرة بالجمهور والمباريات الحاسمة والتي تثير الحماسة الجماهيرية منقطعة النظير.
لاعجب إذا أن تكون شركة الكوكاكولا هي أكبر معلن عالمي في مجال الرياضة وأكبر ممول للمباريات.
أما السجائر, وعلى عكس آثارها الضارة و التي يشار اليها بشكل خجول ومطموس في أسفل الإعلان, فتربط بالقوة والرجولة والمغامرة والفروسية في بلاد وبراري تربية الأحصنة, أو في سباق الدراجات النارية ذات القوة والضجيج والتأثير ,أو في سباقات السيارات, أو أنواع المغامرات الأخرى.
وتكسب السيجارة بذلك دلالات هذه المناسبات ذات الحيوية الجسدية الخارجة عن المألوف.
وتأتي كمكافأة على المغامرة والظفر فيها بعد مطاردة, أو كسب سباق. أو هي تأتي لتتوج متعة المحظوظين في الليالي الحالمة على يخت في وسط البحر والحسان.
وهكذا تربط العطورات ومساحيق الجمال بالحسناوات وملكات الجمال, أو المميزات فعلاً في الجاه الاجتماعي.
وكل إمرأة تريد أن تكون مميزة بالطبع, مما يجعل شراء العطر هو الطريق الى تميزها.
وأما أغذية الأطفال فإنها تربط بالطفل المدهش جمالاً وصحة وانطلاقاً وسعادة.
وهكذا فسيكولوجية الإعلان تقوم على بيع الأحلام, ودغدغة المشاعر وإثارة الرغبات ,من خلال مختلف أشكال الربط مابين السلعة والصحة او الجمال, أو الحاه, أو الشباب أو الحظوة, أو المغامرة... وهو مما لاتسهل مقاومته.
www.balagh.com
|