|
د . زكي نجيب محمود
ترى هل شهد التاريخ كله فترة إشتد فيها القلق كما يشتد في هذه الفترة التي يجتازها العالم اليوم؟ لست أدري, فليس يعيش الآن على وجه الأرض إنسان واحد قرير العين مطمئن النفس هادئ البال .
إنها فترة كفاح وجهاد وقتال , فالشعوب المغلوبة تحاول أن تقف على أقدامها , والشعوب الغالبة تريد الثبات في مواقفها , والدول القوية بعضها مع بعض تصطرع إبتغاء السلطان والسيادة ....
فقد يحس الفرد منا إزاء ما شمل العالم من قلق وإضطراب أنه لا ينبغي له أن يجلس أمام مسرح الحوادث رائيا سامعا لا يعمل شيئا , وأن نفسه لا تستريح وضميره لن يرضى إلا إذا قام بنصيب – مهما كان ضئيلا- في إعادة المنهار , لكنه إذا ما هم بالعمل وأدرك من فوره أنه لا بد له من جماعة ينضم إليها لأن مجهود الفرد الواحد هباءة لا تغنى ولا تسمن ,ولا يبعد أن يقع على أقرب جماعة منه دون أن يفكر طويلا في هل تعمل هذه الجماعة التي ينظم إليها في سبيل ما ينشده هو لنفسه ولسائر الناس, أم إنها تعمل في طريق يعكس له أهدافه المنشودة ...لكننه قلق يريد أن يعمل شيئا وحسبه ذاك , لأن النار قد أوشكت أن تأتي على الحياة كلها , أخضرها ويابسها على السواء , فكثرت الأحزاب والهيئات والجماعات في أنحاء العالم, كثرة منقطعة النظير .
إن النفوس القلقة تدفع أصحابها إلى العمل , تدفعهم إلى العمل السريع , فتراهم يغذون السير ويحثون الخطى , لأن السير المتمهل لا يكفي , والخطوة البطيئة مضيعة للفرص , ولذلك إمتلأت أركان الدنيا بالنظريات المتطرفة والمشروعات الجريئة , والأنقلابات السريعة ...قل ذلك في الأمم وفي الأفراد على السواء , إن الربح البطئ المطرد الثابت لم يعد يرضي النفوس المتعطشة العجلى , أنظر إلى عالم التجارة والأعمال تجد ألوفا من الناس ينزلقون على السفوح المثلوجة إنزلاقا سريعا , إنهم لا يقنعون بالخطوات الوئيدة على الأرض الصلبة الثابتة , فالحياة قصيرة المدى والجو مكهرب من حولهم , ففيم الوقوف والتمهل والأنتظار إن السلامة لم تعد التأني , فإلى الغية المنشودة إنزلاقا , ولئن سقط في المعمعان رجل فإلى جانب ألف رجل بالغون المدى .
ألا تسمعهم يصفون لك هذا العصر بأنه عصر السرعة ؟ إنها ليست سرعة القطارات والطائرات وكفى , بل هي السرعة التي إنتابت النفوس في لهفتها على تغيير حالها , ولذلك تراه عصرا يتميز بكثرة المعايير الخلقية والجمالية و إنه لا يستقر على معيار واحد يرضي الناس جميعا , لأنه عصر قلق وتغيير , فهذا يأخذ بمعيار جديد , وذلك يضل مستمسكا بمعيار قديم , وثالث يأخذ القديم تارة وبالجديد طورا , وكلهم مخلص فيما يأخذ به فهم جميعا متفقون على شئ واحد , هو ضرورة تغيير الأوضاع الراهنة لأنها لا ترضي أحدا .
www.balagh.com
|