قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

إشكاليات الحــداثة والعصــرنة

محمد السماك
كثيراً ما توجه الى العالم العربي – الاسلامي تهمة التخلف عن مواكبة الحضارة المعاصرة ,وقد أخذت هذه التهمة موقعها في العقل الغربي وأصبحت ركيزة ثابتة في الثقافة العامة ومصدر إلهام لأصحاب القرار السياسي.
ذلك أن موقع العالم العربي – الاسلامي من الحداثة يواجه إشكالية بالغة التعقيد, تتداخل فيها عوامل كثيرة, لعل أبرز هذه العوامل:
- تعريف الحداثة والعصرنة وتحديد مقاييسها ومواصفاتها.
- دور الدين كحافز أو كعائق في التحديث والتطور (نظرية ماكس فيبر).
- التحديث والاستتباع في الثقافة الغربية (نظرية بنجامين كيد).
- التحديث والمحافظة على الذات في الثقافة المشرقة العربية – الاسلامية .
لم يكن الدين عائقاً في وجه هذا الانفتاح, بل إن فيه الكثير من الحوافز التي مارست دورها الفعال في عملية السعي وراء المعرفة والعلم "ولو في الصين".
وفي الأساس أيضاً فإن الثقافة الغربية وحتى الحضارة الغربية هي ثقافة الغائية للآخر, تفرض مقاييس للعصرنة وللحداثة من الملبس والمأكل والمشرب الى السلوك الاجتماعي والنظام السياسي, تتوافق مع ذوقها ومع تجربتها ومع معطياتها ومع خياراتها ومصالحها من دون مراعاة لأذواق الآخرين وتجاربهم ومعطياتهم وخياراتهم ومصالحهم.ولأن خلفية الإلغاء تكمن في ضمير هذه الثقافة, فإنه من الطبيعي أن تتحسب لرد فعل سلبي رافض من الآخر الذي تعمل على إلغائه.
طبعاً من السذاجة ربط عدم مواكبة العالم الاسلامي إنتاجياً – وليس استهلاكياً فقط – للنهضة الحضارية المعاصرة, بالدور الخارجي وحده, وإن كان من السذاجة في الوقت نفسه التقليل من فعالية هذا الدور.
وأكتفي هنا بالإشارة الى موقف الغرب من محاولات التصنيع النووي في الدول العربية الإسلامية, فالرفض الغربي المطلق لهذا النوع من التصنيع لايعود الى الخوف من أن تصبح هذه الدول أو أي منها قادر على إنتاج سلاح نووي, بل ان الرفض ينطلق أساساً من الخوف من أن تدخل هذه الدول عصرالمعرفة النووية.
المهم ان نجيب عن السؤال الكبير وهو من أين تستمد الدولة في العالم العربي والإسلامي مشروعيتها؟ وهل تصلح التجربة الغربية مثلاً لتقليدها كما هي وبإطلاقيتها أو للاقتباس منها ولو انتقائياً؟ أم اننا نحتاج ربما الى ثورة ذاتية تقلب فكرنا السياسي وتطرح بدائل جديدة تواكب السيرورة التاريخية للأمة وتتغذى بالمخزون التراثي كصمام أمان لاحترام شريعة الله والمحافظة عليها؟
إن الشعور بوجود هوة حضارية بين الغرب والعالم العربي الإسلامي (هوة تتسع باستمرار وبمعدلات كبيرة) يمكن أن يؤدي الى أحد أمرين: إما أن يخلق حافزاً لمزيد من الانفتاح على الغرب يعجل في عملية عصرنة المجتمعات العربية – الإسلامية من خلال اقتحام آفاق التكنولوجيا الحديثة ومن ثم المساهمة في الإنتاج الحضاري الإنساني على نطاق واسع, وإما ان يؤدي الى تغليب حالة العجز عن اللحاق بالركب, وبالتالي حالة الاستسلام الى اليأس على قاعدة العداء للغرب "العدو المتآمر".
يشكل هذا الأمر السلبي أرضية صالحة لانتعاش حركات العنف الديني المتطرف وتجذرها في بنية المجتمعات العربية – الإسلامية ,الأمر الذي يضاعف من صعوبات التحديث والعصرنة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R