د. عماد الدين خليل
ينتصر الغرب بتفوقه في صناعة (الأشياء), وفي طرائق التعامل معها, أما الشرق فقد جرب أن ينتصر اكثر من مرة بتفوقه في الانتماء الى المبادىء وفي طرائق التعامل معها.. وقد انتصر فعلاً.
ليس ثمة تقسيم محتوم لجغرافية العالم الى اصقاع وأقاليم بعضها يبدع الاشياء وبعضها يبدع القيم..
فكم طلع الغرب علينا بقيم ومذاهب لسنا في مجال تقييمها والحكم على مافيها من خطأ أو صواب..
وكم طلع الشرق على العالم بأشياء وكشوفات مادية اضافت الى رصيد المدينة البشرية الكثير والكثير...
نعم ليس ثمة تقسيم محتوم.. ولكن استقراء التاريخ يمنحنا مؤشرات شاملة, وخطوطاً عريضة تصبغ المساحة الاكبر من هذا الجانب او ذاك.. وإحدى هذه الخطوط هي ان الغرب الحديث اذا كان قد تفوق في صناعة الأشياء, فإن الشرق لايزال يملك وحده القدرة على بعث المبادىء, والتفوق في الانتماء اليها والتوحد معها.
والأمم التي لاتتعلم من تجربة التاريخ, مم تتعلم؟ انه إذ يتوجب علينا اليوم ان نلاحق الغرب في صناعة الاشياء كتحد لامفر من مجابته اذا اردنا ان نحقق وجودنا في هذا العالم, وان نتجاوز وصاية الغرب الحضارية, فإن مما يتوجب علينا أكثر هو ان نعرف بوضوح كامل انه ليس بالأشياء سنوازي المسيرة الغربية ونسبقها.. لأن الفارق الزمني في سباق (المدنيات) حاجز صعب الاجتياز.. أما في سباق (الحضارات), حيث تلعب الروح والقيم والأفكار, والمطامح الإنسانية, والعقائد, دوراً كبيراً ,فإن الأمر ليس مستحيلاً..
ولقد تحقق أكثر من مرة..
لكأن الغرب نفسه, يشير الينا ,بل يتوسل بنا, ان نشمر عن ساعة الجد لا لكي نصنع ثلاجة أوسيارة, ولكن لكي نبعث قيمة, ونرسم مبدأ ,ونطلع على العالم بعقيدة.. فها هنا تكمن قدرتنا الذاتية على التمييز والتفوق.. والتأثير... ها هنا تكمن خصوصيتنا .. وريادتنا..
www.balagh.com
|