قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

ضخ النفط في عروق الثقافة العربية

محمد جابر الأنصاري
كنت أتمنى منذ زمن بعيد أن تستوعب الثقافة العربية بشكل حميم (المعرفة النفطية) أو (علم النفط) إن جاز التعبير , كصناعة وكأستراتيجية وكاقتصاد وكمصطلحات وكاختراعات جديدة متلاحقة ...أي بتعبير آخر أن يتم ضخ النفط في عروق الثقافة العربية! .
ليس معنى أن تسهم الفوائض النفطية في دعم المؤسسات الثققافية والصحافية العربية , وفي إصدار الموسوعات , ومجاميع الكتب الرصينة , وفي مؤازرة إتحادات الكتاب والصحافيين والمسرحيين والرسامين العرب , فهذا مطلب على ما تحقق منه سيظل قائما ومشروعا .
إن ما أعنيه بضخ النفط في عروق الثقافة العربية ..هو ضخ من نوع آخر ..غير أن الضخ المادي ...الضخ النفطي الذي تمنيناه ونتمناه وفي عروق الثقافة هوأن تتم المزاوجة بين التفكير العربي , التربوي الإجتماعي والإبداعي , وبين معطيات (العلم النفطي) باعتباره عنوان التقدم العلمي والتكنولوجي في العلم الحديث , وباعتبار النفط – من ناحية أهم- الثروة الأساس في الأرض العربية والقاعدة الإنتاجية للإنماء المادي والحضاري المأمول.
وإذا كان الموسوعيون العرب في العصر العباسي قد ألفوا المصنفات الخالدة – نظير مؤلفات الجاحظ وياقوت الحموي- عن النباتات والحيوانات والمصادر المائية المائية ...أفليس من باب أولى و إن كنا مهتمين حقا بإحياء التراث – أن يواصل العلماء العرب المحدثون هذا التقليد العلمي بالإلتفات إلى هذه الثروة الجديدة , وإعطائها سمة عربية أصيلة .
بعد أن بقيت لعشرات السنين سرا من أسرار الثقافة الغربية في تصنيعها وتعدينها وتسويقها بل وكشفها والتنقيب عنها في قلوب أراضينا ؟!
النفط ظهر في الأرض العربية مطلع الثلاثينات , ولكن معظم جامعاتنا في الثمانينات ما تزال بدون كليات أو معاهد عليا للنفط وعلومه وصناعاته , وإذا كانت الجامعات الأجنبية في العالم العربي لم تفتح مثل هذه الكليات , ورغم إهتمامها بكل صغيرة وكبيرة , من شؤون الشرق الأوسط ومصائبه وبلاياه ...فهذا مفهوم , لأن الذين فتحوا هذه الجامعات الأجنبية في العالم العربي لم يكن بالتأكيد من بين أهدافهم تعريف العرب بنفطهم ...أو التمهيد لتحقيق شعار (نفط العرب للعرب)!!
ولماذا نجد آلاف المختصين وحملة الشهادات في الأدب والتاريخ والقانون وعلم النفس ...ولا نجد مئات المختصين في علم النفط ...هذا العلم الذي إن لم يستوعبه الشباب العربي كاختصاص متعمق وكمعاناة فكرية وتطبيقية , فإن كل حديثنا عن إستعادة إمتلاك الثروة النفطية سيبقى مثل حديثنا عن إستعادة أراضينا المحتلة قبل إستيعاب العلوم العسكرية اللازمة لتحريرها ....
وهذا التزاوج بين النفط العربي والثقافة العربية لا يقتصر على المجالات الجامعية العليا , فالنفط يمكن أن يكون مادة أساسية شيقة حتى في مدارس الأطفال حيث يجب أن نبدأ , ونؤسس العلاقة العضوية بين الطفل العربي وثروته المستقبلية ...
حتى الشعراء العرب , الذين كان أجدادهم الشعراء في العصر الجاهلي يذرعون الصحراء ويصفون ما عليها من إطلال للأحبة , عليهم اليوم أن يعيدوا اكتشاف الصحراء العربية لوصف ما عليها من منشآت للنفط! ...فإلى متى سيظل شعراؤنا يبكون على الأطلال ...أم أنهم ينتظرون النفط ليصبح أطلالا حتى يبكوا عليه أيضا ؟
ولكن للشعراء عذرهم , فلا أظن أن احدا من وزراء النفط العربي سيسمح لأي شاعر بالإقتراب من ...مصفاة نفطية ! ولكن ما لم يتم التزاوج بين النفط العربي والشعر العربي , لإن النفط سيبقى بدون بطاقة هوية عربية !
فهم النفط سيبقى قدر العرب ليس كصناعة واقتصاد فحسب , وإنما كتاريخ ومصير بعد أن إمتزج بدمهم.
وهذه النار النفطية المشتعلة يجب أن تضئ في النهاية حروف الثقافة العربية التي يقال لنا كل يوم أنها تعاني أزمة إبداع وفعل .
ومطلب (ضخ النفط في عروق الثقافة العربية وفي شرايين العقل العربي) يجب أن يأتي قبل مطلب رفع سلاح النفط , لأن هذا المطلب الثاني سيبقى شعارا مؤجلا مع وقف التنفيذ ما لم يتحقق المطلب الأول ....مطلب تكرير النفط العربي في مصفاة العقل العربي.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R