قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الردع النووي أو توازن الرعب

غسان العزي
في ظل إستحالة منع السلاح النووي سيطر على العالم الثالث نوع من الرعب أو (رعب التوازن) كما يعبر بعض المراقبين , ويقول ريمون آرون أن الردع و كنمط علاقة بين شخصين أو جماعتين , قديم قدم اليشرية , فاحتمال أن يصفعه والده يردع الولد من تمزيق كتب مكتبة الوالد , كما يردع محضر المخالفة سائق السيارة عن التوقف في مكان ممنوع.
ويضيف آرون أن الوالد عندما يهدد أبنه بالصفعة فإنه يمارس الرجع بطريقة واضحة علنية , أما ردع المخالفة فيكمن في القانون وتزداد فعاليته بتزايد عدد رجال الشرطة , وخطر وقوع حادث مفجع يردع سائق السيارة , غير الخائف من العقوبات الإدارية , من اجتياز إشارات السير الحمراء , وبين وحدتين سياسيتين سيدتين ومستقلتين فإن ميكانيزم الردع قادر على العمل في غياب تهديد علني , هذا الأمر كان موجودا قبل العصر الذري , فأين جديد الردع في هذا العصر ؟
الجديد أن الأسلحة النووية لا يوجد لها مثيل في تاريخ البشرية , ذلك أن قدرتها التدميرية تستطيع أن تحسم المعركة بساعات بل دقائق معدودة لا يعود بعدها وجود مادي يذكر للخصم , وإذا كان هذا الخصم يملك , هو الآخر سلاحا نوويا فالنصر يكون لمن ضرب أولا ويملك ما يكفي من السلاح لتدمير العدو تدميرا كاملا يمنعه من الرد بالسلاح النووي , وهكذا لم تكن المعادلة بهذا الوضوح من ذي قبل : (الفرق في الكمية يخلق فرقا في النوعية) ولم يسر التاريخ قبلا بمثل هذه الوتيرة تسارعا ,إذ في أقل من عشر سنوات انتقلنا من قنابل تزن بالكيلو طن (آلاف الأطنان من التي أن تي) ثم بالميغاطن (ملايين الأطنان من التي أن تي) المنقولة بالطائرات المقاتلة , إلى عنصر الصواريخ البالستية التي تحمل رؤوسا أكثر فتكا وتعبر آلاف الكيلومترات بدقائق معدودة, ثم نقلنا التطور السريع من عصر ينتصر فيه من يوجه الضربة الأولى إلى عصر الردع النووي الذي باتت فيه هذه الأخيرة مستحيلة لأن العدو بات قادرا على استيعاب هذه الضربة والرد بضربات مماثلة أو أقوى .
وهكذا اعتمد التوازن في بقائه واستمراره على الردع المتبادل , أي قدرة كل من الطرفين السوفياتي والأمريكي على التدمير بعضهما تدميرا كاملا ونهائيا في حالة وقوع الحرب النووية بينهما تحت أي ظرف من الظروف , لقد استمد هذا الردع فعاليته من حقيقة استراتيجية هامة تتمثل في نجاح القوتين الأعظم في تنمية قدراتهما النووية بشكل هائل والوصول إلى مستوى القدرة التدمير بالضربة الثانية وهذا ما جعل الحرب النووية مستحيلة لأنها تعاني إنتحارا متبادلا بين اطرافها , وجعل من فكرة الحوب التقليدية المحدودة البديل المقبول لكارثة الحرب النووية , ولم تنشب أية حرب , نووية أو تقليدية , مباشرة بين القوتين العظميين , وانتشرت الحروب بالوكالة في معظم بقاع المعمورة بين دول غير نووية مدعومة من هذا المعسكر أو ذاك .
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R