|
غسان العزي
رغم التصنيف السائد لعوامل قوة الدولة بين نوعين : عوامل مادية وغير مادية أو طبيعية واجتماعية فإن إمتحان هذه العوامل يقودنا إلى ملاحظة غياب عنصر واحد مقرر , وكل العناصر اذا اخذت بمفردها يمكن أن يكون لها دورا سالب أحيانا وأيجابي أحيانا أخرى , فالعامل الديمغرافي مثلا يمكن ان يشكل عائقا أمام القوة ويمكن أن يكون حياديا .
وكذلك الأمر بالنسبة لمساحة البلد , فالأرض كانت ولا تزال تشكل دافعا وسببا للنزاعات بين الدول , وعلى العلاقة بين الدولة والأرض أو الأقليم الجغرافي الذي قامت كل نظريات الجيوبوليتيك في القرنين الماضي والحالي , وتحتوي المساحات الضيقة أحيانا على ثروات تفتقر إليها المساحات الواسعة ويتطلب الدفاع عنها وحمايتها , من القدرات والأعباء , ما لا تتطلبه المساحات الأوسع , ويتحول عامل المساحة من مصدر قوة إذا كان مؤطرا بدولة متماسكة صلبة تديره عير رؤية واضحة ومشروع متين , ومعرفة استغلال المساحة وما تحتويه من الموارد تبقى أهم من المساحة نفيها , كذلك فالعلاقة بين مستوى مرموق من التعليم والتربية والنجاح الأقتصادي ليست آلية ومباشرة مع القوة , فالدولة التي تنجح في توفير كل خدمات التربية والتعليم لشبابها دون أن تقدر على تأمين فرص عمل لهم تصبح سريعا ضحية لعدم الإستقرار , وهذه ليست حال الدولة التي توازن بين الأمرين .
وأذا أردنا الذهاب بعيدا في المفارقة فإن الدولة التي تخفق في الأمرين معا تبقى أقل عرضة للأضطراب الإجتماعي وعدم الإستقرار .
وتبقى هذه العناصر أو المعايير , على نسبتها وتغيرها , ضرورية لتصنيف الدول بين عظمى قوية وضعيفة , وتمارس هذه الدول لعبة القوة بوسائل وأدوات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية وغيرها , وقد تتمتع بمعايير القوة وتملك وسائلها ولكنها لسبب من الأسباب , الدبلوماسية مثلا , أو الظروف الدولية , تعجز عن استخدام هذه الوسائل في لعبة القوة , مثلا تريد الولايات المتحدة استخدام وسيلة الضغط الإقتصادي ضد الصين لإجبارها على عدم بيع أجهزة معينة لأحدى الدول , لكن محاولتها هذه تصطدم برغبة منافسيها (فرنسا وكندا وروسيا مثلا) بالدخول إلى السوق الصيني , هنا تصاب أداة الإكراه الإقتصادي الأمريكية على قوتها وفاعليتها , بالأخفاق , الأمر الذي لا يمنع أمريكا أن تبقى قوة إقتصادية عظمى بل الأعظم (بالمعيار الأقتصادي وغيره).
وهكذا يجب التمييز بين معايير القوة وأدواتها ولو أنها التقت في غير ميدان وبقيت نسبية وهشة متغيرة .
www.balagh.com
|