قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

القناعة السهلة والقناعة الصعبة في زمن المادية

د. عماد الدين خليل
إن انتشار الماديات هذا الانتشار الواسع في بعض الفترات, إنما يعني سهولة رفض ما وراء الحواس.. ورخصه..
ومجانيته.. ولذا يتحقق بين الطبقات الأمية من الناس,ممن لايحسنون القراءة والكتابة..
ورغم أن بعض الفلسفات المادية على درجة كبيرة من الصعوبة والتعقيد, فإن ما يجذب الناس اليها ليس هذا الجانب الصعب, إنما هي محصلتها النهائية سهلة القبول:
المادية والإلحاد.. إن من البساطة بمكان نفي أو هدم الوقائع الغيبية, اللامرئية, كاشتراك الملائكة في القتال في معركة بدر على سبيل المثال, والاعقتاد من ثم بكل ما هو مادي, قريب, سهل التصور, بسبب قربه من خبراتنا ,كثيف الإقناع, بسبب من تجاوبه مع معطياتنا الحسية, وهذا هو الذي يجعل النظريات المادية ,تستهوي هذا العدد الكبير من الناس لأنها تقدم لهم القناعات السهلة القريبة, الواضحة الملاصقة..
وتبقى القلة, القلة الفذة, هي التي تقدر على تجاوز المباشر, السهل, الى الصعب غير المباشر.. والانتماء الى الحق يقتضي دائماً القدرة على التجاوز, والبعد, ومكابدة المشقات من أجل الوصول الى قناعاته الصعبة, غير المباشرة, والتي لاتمنح نفسها بالمجان..
وهكذا فإننا لو رسمنا منحني متوازياً أو خطاً بيانياً للعلماء المؤمنين والملاحدة, فإننا سنجده يرتفع ازاء المجموعة الاولىوينخفض ازاء المجموعة الثانية, وهذا لايقتصر على فترة زمنية معينة وإنما يمتد الى كل الفترات ..
وإذا كانت معادلة الإيمان والإلحاد, تجنح باتجاه الأكثرية الملحدة على مستوى الجماهير ,فإن الأمرالذي يمنحها قدراً من التكافؤ, ويعود بها بين الحين والحين الى حالة التوازن هو إن الايمان نفسه, مغر بنفس القوة التي يملكها إغراء الإلحاد, إن لم يفقها ,بسبب من تواجده هناك في أعماق الفطرة..
لكن علينا ألا ننسى أن التزام الإيمان الصعب, وتحلل الإلحاد السهل, كثيراً ما يعود بالعادلة لغير صالح الطرف الأول, ولذا يكرر القرآن الكريم إحدى مقولاته بهذا الصدد:
(وأكثرهم للحق كارهون) (المؤمنون/70).
وقد تكون هناك (اكثرية) من المؤمنين لكن الالتزام بالحق الذي يقتضيه الإيمان يبقى محصوراً في قلة منهم..
ومن أجل كسر الحصار ,وتحقيق قدر من التوازن بين الطرفين لصالح الحق, وكسبالأكثريات الجماهيرية..
تسعى ايات الله البينات ,ليس من خلال عرض لاهوتي صعب معقد عقيم, ولا من خلال أطروحات نظرية تستتبع ارهاقاً ذهنياً قد لايقدر عليه الجميع,ولا من خلال جدل كلامي جاف لايستثير وجدان الإنسان وكينونته..
بل من خلال تدفق حيوي مؤثر.. الى توجيه الانسان عقلاً وحساً ووجداناً الى حقائق الكون والحياة المحيطة به..
الحقائق الواضحة, البينة, والتي لايحتاج إدراك سرها المعجز الى بذل جهد ذهني أو نفسي كبير..
هذا التدفق الحيوي الذي يغطي مساحات واسعة من القرآن, هو الذي يسعى الى جعل المعادلة أقرب الى التوازن ,والى كسب جماهير الناس, مهما كانت درجة ثقافتهم , الى صف الإيمان, ومن ثم ندرك كيف استطاع الإسلام, ولايزال كسب الجماهير.. وكيف تمكن بهم من تنفيذ نظريته في الجهاد عبر التاريخ..
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R