د . أحمد الريسوني
من التحديات الكبيرة التي تواجه المسلمين ويواجهونها : قضية الحرب والسلم , فهي من أخطر التحديات السياسية والعسكرية , ولكنها قبل ذلك من أخطر التحديات – أو الإشكالات – الفقهية والفكرية.
مما لا شك فيه أن الإسلام شرع الحرب والقتال عند اللزوم , سواء على سبيل الإباحة أو الوجوب , حسب الحالات .
والقتال يكون واجبا ومتعينا إذا كان يحق ولأجل الحق , وكان لا مفر منه , ولا بديل عنه , وكانت نتيجته المرجوة محققة أو شبه محققه , ولم يكن من مضاره ومفاسده المحققة ما يربو على فائدته.
وفي جميع الحالات , فإن دخول الحرب يتوقف على وجود قيادة شرعية تقدر كافة الشروط والإحتمالات والإنعكاسات , ثم يتبين لها ويثبت عندها ضرورة دخول الحرب , فليس لأي واحد من الناس , ولا لأي جماعة منهم , الزج بالمسلمين في حرب من دون تحقق شروطها وموجباتها .
والحقيقة أن معظم حالات القتال التي يخوضها المسلمون اليوم هنا وهناك داخليا وخارجيا فاقدة للشروط كلها أو أكثرها , وهي لذلك فاقدة للشرعية الإسلامية , وهي في أحسن التقديرات والتأويلات إجتهادات , خاطئة , ضررها أكبر من نفعها , وشرها أكبر من خيرها .
فأولا / من الذي يمتلك الحق أو الصلاحية ليدخل الأمة أو جزءا منها في حالة حرب , ويفرض عليها أداء ثمنها وتحمل تبعاتها ؟
وثانيا : ما نتائج هذه المغامرات الحربية والقتالية ؟ ماذا جنى منها الإسلام وغير المسلمون؟
- هل هي فتح للإسلام ؟لا
- هل هي نصر للمسلمين؟لا
- هل هي هدية وهداية لغير المسلمين؟لا
- هل هي نكاية لأعداء المسلمين؟لا
وأما ثالثا : وهذا هو الأهم عندي , فيقتضي التفريق بين نوعين من الأعمال الحربية والقتالية :
1- ما يكون دفاعا عن الإسلام اذا اعتدى عليه بالإهانة والتشويه, وصد الناس عنه والحيلولة بينهم وبينه, والطعن في عقيدته أو شرعيته أو نبيه...
2- ما يكون لرد لعدوان والغزو والغصب عن المسلمين.
فأما هذه الحالة الثانية , فلا شك في حق المعتدى عليهم في رد العدوان بجكيع الوسائل الممكنة , حربية وسلمية , وهم الذين يقدرون ويقررون ذلك , وعلى جميع المسلمين نصرتهم , الأقدر فالأقدر والأقرب فالأقرب, وأما الحالة الأولى فتحتاج إلى مزيد تأمل وبيان.
يجب أن نستحضر الحروب الواسعة والشاملة اليوم هي حروب ماحقة مفنية , للإنسان والحيوان والعمران , والأسواق والأرزاق, والماء والهواء , وهذا شر ما أنتجته الحضارة الغربية , لقد أنتجوا ما يسمونه (أسلحة الدمار الشامل) التي لا تبقي ولا تذر , ووضعوها على رؤوس ملايين البشر , فرحم الله زمانا كان يقتتل فيه الناس بسيوفهم ورماحهم ,ويخوضون معارك ضارية تسفر عن قتل العشرات , ثم يعود الباقون إلى مواقعهم ومنازلهم آمنين مطمئنين , فشتان بين حرب وحرب وبين قتال وقتال , ونكاد نقول : اليوم قتل بلا قتال وإبادة بلا هوادة , ويقتل من الشعوب أضعاف ما يقتل من الجيوش.
فهل حروب اليوم يمكن أن تخدم الإسلام وتدافع عنه وترفع رايته؟
وهل تخدم أحدا أو تجلب نفعا لأحد ؟ هل تجلب سوى العار والدمار للبشرية ولكل ما حولها ؟
وإذا كان هذا الوجه الشرير البشع لعالم اليوم وحضارة اليوم فإن هناك وجها آخر يجب إستحضاره أيضا , وله تأثير بليغ في شأن دعوة الإسلام ومستقبل الإسلام , وفي مسألة الحرب والسلام , وأعني بذلك هذا التوسع غير المسبوق في فرص التواصل والتفاهم والحوار , وفي حرية الرأي والتعبير والدعوة والتبليغ.
إن الدعوة إلى الإسلام وتبليفه والدفاع هنخ بشتى الوسائل , في مختلف بقاع العالم أصبح شيئا متاحا وميسرا بدرجة كبيرة , ففي أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية . وفي أمريكا الشمالية , وأمريكا الجنوبية , وفي شمال آسيا وشرقها وجنوبها , فضلا عن وسطها وغربها , وفي إفريقيا كلها وروسيا وأستراليا , وفي كل هذه القارات والجهات من العالم ينتشر دعاة الإسلام وتنشر المنظمات والمراكز الإسلامية فرص ومناسبات؟
أنا لا أنكر وجود مضايقات وعراقيل وضغوط في هذا المجال , ولكنها على كل حال قد لا تكون أسوأ مما يجده الإنسان من نفسه وأهله (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) (التغابن 14).
بل أكثر من هذا , فإن الإستجابة لدعوة الإسلام وقبول الإستماع إلى دعاته وعلمائه ومفكريه , وقبول التحاور معهم , قد يكون اليوم متحققا أكثر من أي عصر سابق , وإذا كان أبو الأنبياء , والأب الثاني للبشرية , نوح عليه السلام قد بلغ من سخطه على قومه أن دعا عليهم فقال : (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا, إنك إن اذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)(نوح 26-27).
لأنه دعاهم ما يقرب من عشرة قرون , فما استجاب له إلا أفراد معدودون , ولأنهم أمعنوا في كفرهم وضلالهم بشكل قل نظيره في التاريخ , إن كان له نظير (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا , فلم يزدهم دعائي إلا فرارا, وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا, ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم أسرارا)(نوح5-9), والنتيجة : (قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا, ومكروا مكرا كبارا)(نوح 21-22).
وقد بلغت حالة موسى (ع) مع فرعون وملئه حدا شبيها بما بلغه نوح مع قومه , وظهر ذلك في دعائه أيضا : (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)(يونس 88).
وقد قص علينا القرآن الكريم من أنباء أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود وغيرهم ما نعرف من خلاله مدى محنة المؤمنين والدعاة السابقين , لمجرد إيمانهم وقولهم : ربنا الله ولمجرد دعوتهم للأيمان , ونعرف من خلاله مدى الكفر والقساوة والجبروت الذي واجههم به أهل زمانهم وحكام زمانهم , وهي أحوال لا نكاد نجد لها مثيلا أو شبيها في عالم اليوم , شرقه وغربه وشماله وجنوبه ...
إم واقع عالمنا اليوم , بوجهيه المذكورين : حروب الدمار الشامل من جهة , والفرص الواسعة الميسرة لحرية الدعوة ووسائلها , يجعل الأفكار والمبادرات الحربية التي قد يتم اعتمادها واللجوء إليها باسم الدعوة الإسلامية , وباسم نصرة الإسلام , وبإسم إعلاء كلمة الله , واقعة خارج التاريخ و لا تمت إلى طبيعة الواقع ومتطلباته بصلة , إنها أعمال تقع وتوضع في غير موضعها وتعلق على غير مناطاتها وخارج شروطها .
إن تبليغ الإسلام ونشره , وبيانه ونصرته , والدعوة إليه والدفاع عنه , كل ذلك متاح ميسور بما يفوق قدرات دعاته وإمكاناتهم , وما لا يكون ممكنا في بلد يكون ممكنا في غيره , ويكون غيره ممكنا فيه , وأمامنا وبين أيدينا من الوسائل والمسالك والمجالات ما لا يكاد يحصى , في أنواعه وليس في أفراده.
وقد حقق الإسلام في السنوات القليلة الماضية فتوحات عالمية , واخترق قلاعا عاتية , وذلك عبر القنوات التلفيزيونية وعبر الوسائل الألكترونية بمختلف أشكالها ووسائطها , ولقد أصبح منع الأعمال الدعوية والإعلامية والتواصلية , وفرض الرقابة عليها , ضربا من العمى والغباء والعبث عند الذين ما زالوا يمارسونه من المتخلفين, ولا نريد لبعض شباب الإسلام ولبعض دعاته وجماعاته أن يكونوا على هذا النحو من التخلف والغباء , فيستمروا في جهلهم وتجاهلهم لطبيعة زمانهم , ويستمروا لذلك في معارك عبثية لا محل لها من الإعراب.
www.balagh.com
|