|
إن هذه الاطروحات والأطروحات المضادة لها محقة فيما تثبت, غير محقة فيما تنفي, لأن المسألة المطروحة ليست من تلك المسائل التي تحل بالإثبات أو بالنفي.
فهي ليست من المسائل التي تخضع لمنطق "إما ... وإما"..
والمطلوب في مثل هذه الحالة ليس "إبداء وجهة نظر", بل المطلوب إعادة النظر فيما طرح ويطرح من وجهات النظر.
من القضايا الأساسية التي تشغل في الظرف الراهن الرأي العان العربي, والمثقف منه خاصة,القضية التي تطرح على شكل تثائية: العروبة / الإسلام, وهي قضية ينصرف التفكير فيها الى الكيفية التي يجب ان ترتي بها العلاقة بين العروبة والإسلام في تحديد هوية سكان المنطقة الممتدة من المحيط الاطلسي غرباً الى الخليج العربي شرقاً, وبين البحر الأبيض المتوسط وتركيا شمالاً والصحراء الكبرى والمحيط الهندي جنوباً, هذه المنطقة التي يسكنها "أقوام" يتكلمون اللغة العربية في الغالب , أو على الاقل يتخذونها لغة ثقافة,كما تدين الاغلبية العظمى منها بالإسلام.
والصيغة الصريحة التي يثار بها المشكل الثانوي وراء هذه الثنائية هي التالية: أيهما يجب أن يكون المحدد الاول والأساسي لهوية سكان هذه المنطقة العروبة أم الإسلام؟ هل "العروبة أولاً!" أم بالعكس "الإسلام أولاً!" .. ولربما :"أولاً وأخيراً؟"؟
نعم ان معظم الذين يثيرون هذه القضية اليوم ينطلقون في الغالب من القول إنه "لاتناقض بين العروبة والإسلام",أو ينتهون الى النتيجة نفسها إذا هم فضلوا الانطلاق من بعض جوانب المسألة.
وهناك من يحاول إيجاد صيغ تعبيرية تبرز "التكامل" بين العروبة والإسلام, صيغ تبعد من سطح الخطاب معنى التقابل والتعارض فتؤكد مثلاً ان "العرب مادة الإسلام" أو أن "الإسلام عربي" بمعنى أنه دين العرب اولاً, باعتبار أن القرآن كتاب عربي.
ولكن "التكامل" الذي تحاول مثل هذه الصيغ التعبيرية ابرازه لاينفذ الى عمق المسألة المطروحة , فـ "التكامل" هنا إنما هو تكامل على صعيد تلطيف العبارة وتغييب الوجه الحاد من المشكل.
ذلك ان هذه الصيغ "منحازة" في واقع الامر, فهي تؤكد على إعطاء الاولوية, ان لم يكن للعروبة على الإسلام, فلما هو "عربي" في الإسلام.
وهكذا فالصيغة الاولى (= العرب مادة الاسلام) تبرز دور العرب الفاتحين الذين حملوا الاسلام ونشروه ف يالبلدان وقاتلوا من اجله واستشهدوا في سبيله.
فكانوا بذلك "مادة" له, بمعنى "المادة الخام" التي صنعت التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية.
اما الصيغة الثانية (= الاسلام عربي, لأن القرآن عربي) فهي تبرز عروبة الاسلام, ليس فقط كتاريخ وحضارة, بل كدين ايضاً: فالنبي عربي, ولغة القرآن عربية, والخطاب فيد قد وجه أول ماوجه الى الغرب.. كما ان الاسلام سيبقى عربياً لأن احكامه انما تستخلص اولاً من القرآن ,كما هو في اصله العربي, وليس من خلال أية ترجمة للقرآن الى أية لغة ,كيفما كانت, لاتستطيع الوفاء بمضامين الخصوصية في اللغة العربية.. ولما كان الامر كذلك فإن الاجتهاد – والاجتهاد في الاسلام مصدر أساسي من مصادر التشريع – لايمكن ان يكون الا بالعربية.
فإتقان اللغة العربية والمعرفة الواسعة بطرقها في التعبير شرط ضروري في الاجتهاد, وقد عبر الفقهاء عن هذا المعنى حين قالوا عن القرآن إن "العربية جزء ماهيته", وما دامت اللغة العربية "جزء ماهيته" القرآن فهي إذاً مقوم أساسي من مقومات الإسلام نفسه.
www.balagh.com
|