الاقتصاد العالمي والطريق إلى عولمة الدول الكبرى لعملاتها بما يسمى العُملاتية، خاضعة السوق إلى تصرفها، في الوقت الذي يكون حتميا على الدول النامية اللحاق بهذا الركب العالمي، بعد نزع العملة القومية التي تمتلكها وتجريدها من الخصوصية.وهنا جانبا من تحليل نشرته مجلة "فورين آفيرز" تحت عنوان "نهاية العملة القومية" للكاتب "بين ستيل" الذي يعمل مديراً للاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن.
ديكتاتورية التمويل الدولي
أفضى الاضطراب النقدي العالمي إلى لجوء بعض الدول إلى القومية النقدية؛ أي أن تقوم تلك الدول بالسيطرة على عملاتها المحلية. إلا أن المُشكل يتمثل في تناقض العولمة مع القومية النقدية؛ إذ يُعتبر الاثنان خليطاً متضارباً ومخيفاً، الأمر الذي قد يسبب أزمات مالية وتوترات جيوـ سياسية فيما بعد. ومن ثم، فإن العالم بحاجة إلى اجتناب العملات غير المرغوب فيها، وإحلالها بالدولار واليورو.
يبدأ "ستيل" تحليله بالتحدث عن أزمة العملة الممتدة طيلة الـ25 سنة الماضية. وهي الأزمة التي أضرت دولاً كثيرة في مختلف المناطق؛ من أمريكا اللاتينية إلى آسيا إلى روسيا وتركيا. والحقيقة، أن المؤسسات الدولية قد مُنيت بفشلٍ ذريع في التصدي لتلك الأزمة، وفي تقديم حلٍ شامل يرقى إلى مستوى التحدي، كما يؤكد "ستيل".
أما مناهضو العولمة من رجال الاقتصاد، فقد صبوا جام غضبهم ونقدهم على الأسواق والمؤسسات المؤيدة لها، مثل "صندوق النقد الدولي" أو الـIMF الذي يصفه "جوزيف ستيجليتس" Joseph Stiglitz – وهو من أشهر الاقتصاديين المناهضين للعولمة – بـ"ديكتاتورية التمويل الدولي".
ويطرح "ستيل" هنا التساؤلين التاليين: هل انتقاد الأسواق بدلاً من الحكومات هو الرأي الصائب؟ وهل إعادة السيادة للحكومات ستضع النهاية لعدم الاستقرار المادي والنقدي والتمويلي؟ ويجيب كاتب التحليل قائلاً: إن المنهج الصحيح لحل أزمة العملة ليس بالرجوع إلى الماضي الأسطوري للسيادة النقدية للحكومات، وسيطرتها على العملات المحلية في تجاهلٍ تام لبقية العالم؛ وإنما المنهج الصحيح هو نسيان تلك الفكرة الخاطئة التي تزعم بأن القومية في حاجةٍ إلى السيطرة على المال المتواجد في داخل الإقليم القومي.
الاقتصاد وصناع السياسة
ويستأنف مدير الاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية حديثه، منتقلاً إلى العصر الذهبي الممتد منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ إذ كان المال حينذاك يُساوي الذهب. كان تدفق رأس المال Capital flight، في تلك الفترة، مهولاً حتى إذا ما قيس بالمعايير الراهنة. ولا غرابة أن نجد "ستيل" يُسمي تلك الفترة بـ"المرحلة الأخيرة العظيمة للعولمة" التي قلما وُجدت فيها أزمات في العملة؛ وإن وُجدت فهي سطحية وقصيرة الأمد.
إلا أن تلك المرحلة قاربت على النهاية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث بدأت العلاقة بين المال والذهب تختل إلى حدٍ ما؛ وهو أمر نتج عن ذيوع قناعةٍ ما تقول: إن العولمة بحاجة إلى مال صلب (أي عملة ورقية).
وبعد الحرب العالمية الثانية، في ستينيات القرن العشرين، توجه الاقتصاديون نحو قناعةٍ تقول: إن صناع السياسة قادرون على ضبط الطلب القومي في مواجهة "صدمات" العرض والطلب العالميين. وتمخضت عن هذه القناعة نظرية الـOptimum Currency Areas التي استندت إليها الحكومات فيما بعد، كحُجة فكرية للدفاع عن القومية النقدية.
أسواق الدول النامية والاستثمار
تناول "ستين" قضية تحرير التجارة التي قلبت، من وجهة نظره، موازين وقوانين الاستثمار في الدول النامية. فقد كان هدف استثمار الدول الخارجية في الدول النامية مُتمثلاً أولاً في الحصول على المواد الخام للتصدير، وثانياً في الوصول إلى الأسواق المحلية "المحمية" من السلع المستوردة المنافسة. إلا أن ذلك تم إجهاضه على يد العولمة التي فتحت أبواب الدول النامية للمستثمر تحت شعار تحرير التجارة؛ فلم تعد الأسواق المحلية محمية. ومن ثم، تغيرت دوافع وقوانين الاستثمار في تلك الدول؛ وهو ما ألحق بها أضراراً بالغة.
إضافةً إلى ذلك، كما يشير "ستيل"، عزوف الدول الصناعية عن استخدام عملات الدول النامية، الأمر الذي أدى بالأنظمة المالية لتلك الدول إلى عزلةٍ عن النظام العالمي. هذا غير ما يتطلبه الاقتصاد المتعولم من استقرارٍ نقدي، تعجز عن إيجاده الدول النامية.
|