قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

العالمية بوصفها مرآة

د . عبد الغفار مكاوي
إن النظر إلى الواقع البشري في سياق التاريخ العالمي هو الطريق المؤدي إلى الوجود الإنساني في تمام حريته ونقائه , فالصورة العالمية وحدها هي المرآة المستوية الصافية التي يمكن أن يرى فيها الإنسان نفسه ويفهم نفسه , وفي هذه المرآة وحدها تتحقق جميع الإمكانات الإنسانية , ويتم إدخال التعديلات الضرورية على الصورة المحدودة المرتبطة بمعرفة الذات , غير أن الحصول على هذه المرآة العالمية – التي لا تتوافر أبدا بصورة مكتملة , أمر يتوقف على المستقبل ويحتاج إلى المعرفة المحيطة الشاملة , كما أن بحثنا الدائب عنها هو الذي يحفزنا على تفجير كل الحدود وتخطيها , إن الحدود تشدنا إليها بقوة , ولكن الإستثناء الخارق يسطع أمامنا كالمنارة , وما يبدو لأعيننا كأنه أغرب الغرائب يستثير شغفنا ويؤثر علينا عن كثب ,
وبعد أن نحبس أنفسنا داخل عالم ثقافي رائع متنوع إلى أبعد حد , نجد أنفسنا مندفعين للرجوع إلى الأصل الذي نبع منه , هنالك نعود لاكتشاف الخصائص الأولية للإنسان , وننفتح على دوافعه الأساسية ومواقفه الجدية , ونعتقد عندئذ أننا نعترف شيئا ظل خافيا عنا في كل ثقافة رفيعة , ونحاول أن نلتمسه في جذور الحضارات الكبرى : عند الإغريق وغير الإغريق , وعند الشعوب البدائية , ويدفعنا تعطشنا إلى أصلنا إلى الإمساك بمرآة تعكس كل الأصول الأخرى , إن الجوهر الذي انبثقت منه الفلسفة الحقيقية قد كان ولا يزال كامنا في أنفسنا منذ عهود بعيدة ممتدة إلى ما قبل التاريخ , دون أن نشعر به في وقت من الأوقات شعورا واضحا جليا , ولكننا نبدأ في تعرفه في التاريخ العالمي , هذا التاريخ العالمي في مجموعه هو مرآة الوجود الإنساني التي تكشف عما يكمن فينا من إمكانات , وما حققناه في الواقع , وما لايزال راقدا في أعماقنا , وتاريخ الفلسفة هو أداة استيعاب الفلسفة بصورة عالمية , وهو في الوقت نفسه مرآة الوجود الإنساني كما هو مرآة الفلسفة التي نحققها في أنفسنا .
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R