قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

هل يمكن فصل الدين عن العلم؟

السؤال المطروح سؤال قديم، لكن بمعنى واحد فقط، وهو علاقة الدين بالعقل والبرهان. يعاد طرح السؤال نفسه في العصر الحديث بصيغة تختلف قليلاً أو كثيراً عما كانت عليه من قبل. وكان السؤال ولا يزال مصدراً لكثير من الجدل. مثار الجدل أن هذا السؤال يطرح إشكالية تستدعي أكثر من مقاربة، وتفترض أكثر من إجابة تبعاً لاختلاف الرؤية والمنهج. اتخذ السؤال صيغته الحديثة كنتيجة طبيعية لتطور الفكر الإنساني، ووصوله أخيراً إلى مرحلة التفكير العلمي مقابل مناهج التفكير الأخرى التي كانت سائدة قبل ذلك.
برز العلم كمنهج، وطريقة نظر في العصر الحديث أمام الدين كمنهج آخر أقدم وأكثر رسوخاً في التراث الإنساني. في الإطار الإسلامي أيضاً طرح السؤال نفسه، وانقسمت الآراء حوله. هناك من يرى أن الدين هو العلم، والعلم هو الدين، وبالتالي لا يستقيم أن تكون هناك دعوة للفصل بينهما. الأكثر من ذلك أن أصحاب هذا الموقف يرون أن الدعوة إلى فصل الدين عن العلم هي دعوة علمانية، وهي بذلك تمثل موقفاً يرمي في الأخير إلى مناهضة الدين بهدف إقصائه من حياة الناس.
إن الدين في الإسلام علم لأنه لا يعتمد على الوجدان وحده، بل يقوم على النظر والتفكير... والعلم في الإسلام دين لأن طلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة..." ( ص21). وهنا يبدو اللبس واضحاً كل الوضوح في موقف الخطاب الديني من القضية. فالدين هو علم لأنه يقوم على النظر والتفكير.
أن الفلسفة تقوم أيضاً على النظر والتفكير، ولكن الفلسفة ليست من العلم في شيء. والفن بكل ألوانه يقوم على النظر والتفكير أيضاً، وكذلك الأمر بالنسبة للشعر والرواية. ومع ذلك فكل هذه الحقول لا تعتبر حقولاً علمية. في الجملة نفسها "أن العلم في الإسلام دين لأن طلبه فريضة على كل مسلم". هذا يعني أن الإسلام يحض على العلم، وعلى التفكير والتأمل، وهو أمر واضح في الكثير من الآيات القرآنية. لكن أن الإسلام يحض على العلم لا يمكن أن يعني بأن "العلم في الإسلام دين".
مما يشير إلى أن ما تغير هنا ليس بالضرورة موقف الدين كنص، وإنما ما تغير هو قراءة هذا النص بين مرحلة تاريخية وأخرى. ويمكن أن نقول شيئاً مشابهاً حصل في الحالة الإسلامية. حيث من المعروف أن التطور العلمي والحضاري للعرب لم يتحقق إلا في إطار الإسلام، وقد وصل هذا التطور ذروته في العصر العباسي الأول. ثم بعد ذلك دخل العالم الإسلامي مرحلة انحطاط حضاري وعلمي لا تزال مستمرة حتى الآن. ومرة أخرى، ما تغير هنا ليس موقف الدين الإسلامي من العلم والحضارة. الذي تغير هو رؤية المسلمين، وقراءة المسلمين لنص الدين الإسلامي. وكل ذلك يؤكد اختلاف الدين عن العلم.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R