هذا الأمر مستبعد اليوم,بيد أنه، وعلى الرغم من التحذيرات الكثيرة، صعق الناس عندما انهارت العولمة في المرة السابقة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. كما اليوم، اتسمت تلك المرحلة بتوسع إمبريالي زائد، وتنافس بين قوى عظمى، وتحالفات غير مستقرة، وأنظمة مارقة، وتنظيمات إرهابية، وعالم اليوم أفضل استعداداً لمواجهة نكبة كبيرة.
لا يبدو أن هناك حدوداً لعبقرية الإنسان في حال توافرت له التمويلات الكافية للبحث والتطوير.
اليوم، كما كان الحال قبل 1914، الاقتصاد الأمريكي هو الأكبر في العالم، لكنه اليوم أكبر أهمية بكثير كسوق لبقية العالم مما كان وقتها. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتمتع بتأثير عظيم كونها «المستهلك الأول في السلسلة» لكن هذا الدور يعتمد على إرادة الأجانب بتمويل العجز المتزايد في الحساب الجاري لديها. هناك نسبة متزايدة من الأمريكيين تعتبر نفسها «ناجية» بالمعنى الإنجيلي، ولكن بالمعنى الاقتصادي فهي أقل ادخاراً. توقف معدل التوفيرات الشخصية عند الأمريكيين عند 0.2% من الدخل الفردي المتاح في أيلول/سبتمبر لعام 2004، مقارنة بـ 7.7% منذ أقل من خمس عشرة سنة. وسواء فيما يتعلق الأمر بتمويل الاستثمارات الداخلية (في نهاية أعوام التسعينيات) أم الاقتراض الحكومي (بعد العام 2000) فإن الولايات المتحدة أصبحت تعتمد وبشكل متزايد على الاقتراض الخارجي. ومع ازدياد العجز في الحساب الجاري (وصل الآن إلى عتبة 6% من إجمالي حجم الإنتاج الداخلي) فإن صافي الأموال القادمة من الخارج في أمريكا ارتفع بشكل حاد ليصل إلى 25% من إجمالي الناتج المحلي. والآن فإن نصف الدين الفيدرالي العائد للجمهور في أيد أجنبية، فقد بلغ مجموع ما تملكه الصين، هونغ كونغ، اليابان، سنغافورة، كوريا الجنوبية وتايوان مجتمعة في شهر/ أغسطس من 2004، مبلغ 1.1 تريليون دولار في الخزينة الأمريكية بزيادة مقدارها 22% على ما كانت عليه نهاية 2003، حيث جاء قسم كبير من هذه الزيادة نتيجة للمشتريات الضخمة للسلطات المالية الشرق آسيوية وذلك بهدف منع تقييم عملاتها نسبة إلى الدولار.
يشكل هذا العجز الفرق الأكبر بين العولمة الماضية والعولمة الحاضرة. منذ مئة سنة خلت، كان المسيطر العالمي، المملكة المتحدة ، مصدراً هاماً لرؤوس الأموال، حيث كانت تقوم بتوريد نسبة عالية من مدخراتها إلى خلف البحار لتمويل عمليات بناء البنى التحتية مثل السكك الحديدية والمرافئ في الأمريكيتين، وآسيا، وأستراليا و إفريقيا. أما اليوم فتلعب وريثتها كإمبراطورية أنغلوفونية الدور المعاكس تماماً، حيث تقف الولايات المتحدة كمدين عالمي بدل أن تكون دائناً عالمياً، حيث تمتص حوالي ثلاثة أرباح مدخرات بقية العالم الفائضة.
إن عملية تخفيض أسعار صرف الدولار الأمريكي نسبة إلى العملات الآسيوية يمكن ألا يقلق معظم الأمريكيين، لأن جميع ديونهم محددة بالدولار، لكن أثر ذلك في آسيا سيكون عميقاً، فالآسيويون الذين يملكون أصولهم بالدولار سيعانون من ضياع هائل في رأس المال نسبة إلى عملاتهم الخاصة، وسيفقد المصدرون الآسيويون بعض مميزاتهم التنافسية في السوق الأمريكية. وبحسب مايكل موسا من معهد الاقتصاديات الدولية فإن تخفيضاً في العجز الأمريكي بمقدار يصل إلى 2% من مجمل الناتج المحلي خلال السنوات القليلة القادمة سيتطلب انخفاضاً في قيمة الدولار بمقدار 20%. ويقدر الاقتصاديان موريس أو بستفلد، وكيني روغوف، أن انخفاض قيمة الدولار في هذه الحالة يمكن أن يصل إلى 40%. وفي هذا الصدد أشارت جامعة كاليفورنيا في بيركليز براد دو لونغ إلى أنه: «إذا قرر السوق الخاص -الذي يعرف بأن هناك احتمالاً كبيراً بأن قيمة الدولار ستنخفض قيمته ذات يوم- بأن هذا اليوم قد جاء وأن الدولار أخذ ينخفض الآن، عندها لن تستطيع جميع البنوك المركزية الآسيوية في جميع أنحاء العالم مجتمعة أن توقفه».
ربما كان هذا اليوم يقترب بسرعة. وبحسب كلمات رئيس مجلس الاحتياط الأمريكي السيد ألان غرينسبان في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، يجب أن يكون هناك حد «لرغبة المستثمرين بإضافة المطالبات بالدولار إلى سنداتهم» وأن «التمويل المستمر حتى لمبالغ العجز الحالي في الحساب الجاري سوف يزيد دون أدنى شك، عند نقطة ما في المستقبل، عن حصص المطالبات الدولارية في سندات المستثمر إلى مستويات من شأنها أن تؤدي إلى مقدار غير قابل من خطر التركيز».
إن الآثار الداخلية لانهيار الدولار سوف تنعكس بشكل عميق على الشريحة المتزايدة من الأمريكيين التي ترزح تحت ديون عقارية متزايدة والتي سوف تواجه ارتفاعاً في معدلات الفائدة. وتُعتبر الزيادة في حصة الديون العقارية متغيرة الضريبة من حجم الدين الإجمالي للعائلة الأمريكية في نظر البعض مؤشراً على أن السوق العقارية الأمريكية تزداد تعقيداً. لكن ذلك يزيد أيضاً من حساسية عائلات أمريكية كثيرة تجاه الزيادات في الضرائب. أيضاً لدى الحكومة الفيدرالية دين كبير متغير الضريبة، إذا ما أخذنا في الاعتبار الاستحقاقات القصيرة جداً لنسبة كبيرة من الصكوك والكمبيالات.
يعني هذا الواقع ضرائب أعلى يمكن أن تصيب بشكل سريع على العجز ذاته، مؤدية إلى حدوث دورة تفاعلات خطرة. وبالطبع فإن ضرائب أعلى تعني على الأرجح نمواً أبطأ وبالتالي انخفاضاً في العوائد الضريبية. بإيجاز، إن المنظومة النقدية العالمية غير المغطاة هي منظومة خطرة ترجح ولادة أزمة كبيرة.
يكمن السبب الآخر للقلق في هشاشة المنظومة المالية الصينية، فمن المستبعد أن يتجنب هذا العملاق الآسيوي أزمة من ذلك النوع الذي ضرب العمالقة الآسيويين الآخرين في الماضي. ولتصور أبعاد الخطر، لنتخيل النظام البنكي الصيني الداخلي القائم وفق النمط السوفييتي وسوق الأسهم الداخلي السقيم: فكيف يمكن لنمو تصنيعي بهذه السرعة أن يعتمد على مؤسسات مالية على هذه الدرجة من عدم الكفاءة؟
كانت العولمة قبل 1914 حساسة بشكل لافت للانتقال العالمي للأزمات، وهو ما يسميه الاقتصاديون بـ «العدوى»، وهذا هو حال العولمة اليوم. وكما أشار آندرو لارج من بنك إنجلترا في نوفمبر الفائت فإن «البحث عن العوائد» في مناخ يتسم بمعدلات فوائد منخفضة يشجع المستثمرين، البنوك وصناديق التمويل الهامشية على الالتقاء في استراتيجيات تجارية متماثلة، دافعاً إلى «أفق تطور أسواق أحادية الاتجاه وإلى تبخر سيولة السوق كرد على الصدمة».
أ
|