قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الإعلام والإتصال.. بين الإخبار والإشهار

لا يمكن للإيديولوجيا الموجهة للوسائط الاتصالية أن تشتغل في تأن وروية، فهي لا تشتغل إلا وفق الزمن السريع والوتائر المتلاحقة، فالخبر يتطلب في نشره والحصول عليه سرعة الصحافي في الأداء المهني، لأن خبر اليوم يمحو خبر الأمس، كما أن خبر اليوم آيل للمحو والنسيان من طرف خبر الغد أو المساء.
تبدو المادة الإعلامية إذن (من دون ذاكرة)، ولنا في متابعة الدوائر الإعلامية لأحداث حروب البوسنة، الشيشان، الجزائر، الخليج، الشرق الأوسط وأفغانستان أخصب الأدلة على صحة هذا التحليل، إذ تتخذ فجائعية الحروب مادة دسمة يلتهمها العقل الإعلامي الذي يتحرك وفق عقارب الزمن اليومي السريع.
إنها تقنية إشهارية، خاصة أن الإشهار هو مصدر أساسي لضمان استمرارية المنتوج الإعلامي. تتمكن منابر وقنوات إعلامية من التدبير الاقتصادي ـ تقنياً وبشرياً ـ لمؤسساتها كما تتمكن المؤسسات المالية والشركات الكبرى من تسويق منتوجاتها لمضاعفة رأسمالها عن طريق الإشهار الذي لا يتوقف في تأثيره عند المستوى المالي فحسب، بل يتجاوزه لينتج آثاراً سلبية ذات طبيعة تربوية، أخلاقية وثقافية مستمدة من الصور المتلاحقة، المتزاحمة والمكثفة للإعلانات والشرائط الإشهارية.
إنها مضامين ثقافة سطحية تقف عند حدود الصورة دون تفكير في دلالاتها، الأمر الذي يقلص لدى الطفل إمكان تنمية ملكات السؤال، التحليل، النقد. غاية المنطق الإشهاري إقالة الفكر من إنجاز وظائفه (التقليدية)، وإبعاد عن (حشر نفسه) في عالم جديد يشتغل وفق معايير السطحية والسرعة والنسيان. ألا تشتغل أيديولوجيا الإشهار وفق منطق (خذ البضاعة "أ") وبعد ثوان قليلة تلح عليك إشهارياً وعبر عنف سيكولوجي بأخذ البضاعة "ب" أو "ج".. إلخ؟
أيديولوجيا الإشهار من دون ذاكرة وهي تراهن على فقدان القارئ والمشاهد لذاكرته أيضاً حتى يتأكد نجاحها ويتعمق حضور علاماتها السيميائية في المتخيل الاجتماعي لأوسع جمهور. إن العدو اللدود لهذه الأيديولوجيا الإشهارية هو الفكر التساؤلي كفكر يفتت أسسها ويفكك دعائمها لأنها أيديولوجيا كليانية واستبدادية تعمل على ابتلاع كل ما يعترض طريقها، إنها أداة تدمير ذاتي للديمقراطية نفسها. بيد أن الإشهار لا يخص المجال التجاري وحده، بل يمتد إلى المجال الثقافي عبر الدعاية للكتاب وشريط الكاسيت الصوتي والفيلم السينمائي، كما يمتد أيضاً إلى المجال السياسي، وهو ما نروم بيانه في هذا السياق.
يرتبط الإشهار لغوياً بالتشهير، كما يرتبط أيضاً بالشهرة، فهو تشهير حين يهدف تسويد مشهد سياسي أو صورة شخصية سياسية، وهو شهرة حين يهدف إنجاز عكس ذلك. إن غياب تعميم الخبر والحق الديمقراطي في حيازته من قبل أوسع جمهور يحول الدعاية الإيجابية أو السلبية إزاء بلد معين أو شخصية سياسية محددة إلى (ديكتاتورية إعلامية).
من هنا تنبع قيمة الدعوة إلى مبادرة شاملة بتأسيس (مكتبة رقمية كونية) تمكن من الحصول على الخبر خاصة أن العديد من المصادر الإعلامية والثقافية (جرائد، كتاب، مثقفين، فنانين.. إلخ) تقبل عرض منتوجاتها بصيغة مجانية شريطة الإحالة على اسمها كطرف منتج.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R