|
"إن الحدوث ـ حدوث الظواهر والكائنات ـ دائري ضرورة، ولذلك فإن كل ما يحدث لابدّ من أن يحدث بصورة دورية. فإذا كان من الضروري وجود شيء ما في هذه اللحظة فإنه من الضروري كذلك أن يكون ذلك الشيء نفسه قد وجد من قبل، وإذا كان شيء ما موجوداً الآن فإنه من الضروري أن يوجد من جديد في المستقبل، ويتكرر هذا إلى ما لا نهاية..." (أرسطو).
يمكن القول بصفة عامة إن التفكير في المستقبل، مستقبل الإنسان الفرد ومستقبل الشعوب والأمم، في هذه الدنيا، ومن ثمة التخطيط له والعمل من أجله، يكاد يكون خاصية من خاصيات (العصر الحديث)، العصر الذي عرف انطلاقته الفعلية والمتواصلة في القرن السادس عشر الميلادي، فهو إذاً أحد عناصر النهضة الأوروبية. إن هذا لا يعني أن الناس لم يكونوا قبل ذلك يهتمون بغدهم ولا بمصيرهم، كلا ومع ذلك يمكن القول إن الهَمّ الأساسي الذي كان يشغل الإنسان، قبل النهضة الأوروبية الحديثة، بخصوص المستقبل، هو مصيره بعد الموت. لقد كان الناس ينظرون إلى الدنيا، على طول امتدادها، بوصفها (الحاضر) الزائل، وإلى الآخرة على أنها (المستقبل) والمصير. ولذلك كان التفكير في المستقبل والعمل من أجله ينصرفان في الأعم الأغلب إلى التفكير في (الآخرة) حسب نوع الدين الذي يعتنقونه أو الفلسفة التي يصدرون عنها.
وإذا جاز لنا القيام بنوع من (التأريخ) لتفكير الإنسان في (المستقبل)، قبل الديانات السماوية وبعدها، فإنه لا مناص من القول إن اهتمام الإنسان بمصيره بعد الموت اتخذ أشكالاً مختلفة، من أبسطها وأقدمها أيضاً ذلك الذي يتجسم في وضع الناس أواني مملوءة طعاماً في قبول موتاهم عند دفنهم، فكأن الميت مسافر وأن المرحلة الأولى من السفر تبدأ باستيقاظه في قبره، فلابد إذاً من زاد يتقوّتُ به ليستطيع مواصلة السفر ومواجهة المصير المجهول.
هناك إلى جانب هذا التعامل (العامّي) مع قضية المستقبل في الحضارات القديمة تصورات (عالمة) تربط مصير البشر، وبالتالي (عالم الغد) بحركات الكواكب ودورات الفلك، في إطار رؤية للعالم تقوم على فكرة العَودِ الأبدي، وذلك بناءً على تصورٍ دائري للزمان مبني على ملاحظة حركات الكواكب وارتباط كثير من الظواهر في عالم الأرض بها ارتباط معلول بعلة. فالحياة على الأرض مرتبطة بتعاقب الليل والنهار وتوالي الفصول، وهما مرتبطان بحركة الشمس والقمر.. الخ، الشيء الذي استنتج منه القدماء أن الظواهر الكونية في الأرض بما فيها حياة الإنسان ومستقبله ومصيره تخضع خضوعاً حتمياً لحركات الكواكب ودورات الفلك، تماماً مثلما يتحكم في حياة النبات، مثلاً، تعاقب الليل والنهار وتوالي الفصول... الخ.
وهكذا فكما تتكرر الظواهر وتتعاقب بتكرار وتعاقب حركة الشمس الظاهرة، تتكرر الظواهر الأخرى التي تفصل بينها مسافات زمنية أكبر بتكرر وتعاقب حركات نجوم وجورات أفلاك خلال مسافات زمنية مناظرة لتلك. وكما أن بَعدَ كل نهار ليل وبعد كل ليل نهار، وكما أن فصل الشتاء مثلاً لابد من أن يعود في وقت معلوم لتتعاقب بعده الفصول الأخرى، ثم يعود ثانية وثالثة.. الخ، فإن ما يحدث في الكون في وقت من الأوقات لابد من أن يعود ويتكرر مرات لا نهاية لها تماماً كمن يتحرك على محيط دائرة، فهو لابد من أن يعود إلى النقطة التي يوجد فيها في وقت من الاوقات، في اطار حركة أبدية دائرية لا بداية لها ولا نهاية.
والنتيجة هي أن (المستقبل) بالنسبة إلى أية لحظة لابد من أن يكون عوداً جديداً وتكراراً لحالة سابقة. ومن هنا الاعتقاد في التناسخ لدى كثير من الشعوب القديمة. فالفرد يموت ثم تبعث روحه مرة أخرى في جسم من الأجسام، ثم يموت ويبعث مرة أخرى في جسم آخر، وهكذا دواليك.
يقول أحد الفيثاغوريين مخاطباً مستمعيه: (سيأتي يوم سأكون فيه من جديد بينكم، أتنقل مثلاً على شكل خاتم بين أصابعكم، أو أجلس كما أنتم جالسون، وجميع الأشياء ستكون كما هي عليه الآن، ويمكن القول إن الوقت سيكون هو نفسه).
www.balagh.com
|