|
هل نحن منتجون أم مستهلكون؟
وما هي حدود الانتاج ,وما هي حدود الاستهلاك ؟
وأيهما يقدم على الآخر؟
هناك من الناس من اكتفى في دنياه ان يكون مستلهكاً لما ينتجه الآخرون, وهناك من لايرضى إلا بأن يكون منتجاً أكثرمما يكون مستهلكاً, وثمة نوع ثالثلا هو منتج ولا هو مستهلك, وهذا هو ميت الأحياء.
صحيح ان الله سبحانه وتعالى قد خلقنا من بطون أمهاتنا لانعلم شيئاً.
وصحيح أيضاً ان الذي يريد الانتاج لابد له ان يمر بمراحل الاستهلاك,إلا ان الله – جل شأنه – قد زود الانسان بالعقل السليم,ووهب له السمع والأبصار والأفئدة, وفتح أمامه آفاق الطموح والتطور والرقي والازدهار...
وبهذه المواهب الآلية يستطيع كل شخص ان يرتقي سلم المعرفة, ليصبح في مصاف العظماء, أما إذا اهمل تلك المواهب فإنه سوف يصبح مخلوقاً معطل الفكر ,معدوم الإرادة,لاخير فيه, ولافائدة ترجى منه.
قد يظن البعض أن مسألة الإنتاج والاستهلاك تخص القضايا الاقتصادية وحدها, بيد ان الامر يتعدى ذلك ويشمل كافة جوانب الحياة.
ففي الجانب الثقافي هناك من ينتج الثقافة, إما بالتفكير او بالتأليف أو بالكتابة, وهناك من يستهلك تلك الثقافة, حيث يقرا مايكتبه الآخرون, ولكنه لاينتج ولايفكر في الانتاج.
وفي الجانب الادبي تجد من ينتج ,ومن يتسهلك, فمثلاً بعض النقاد ينتظر على الدوام ان يقوم شخص آخر بإنتاج قصيدة كي ينتقدها, ولكنه لايفكر , ولو مرة واحدة, في أن يقوم هوبصناعة الشعر حتى بنظم قصيدة واحدة.
بالطبع لايمكن ان نطالب الإنسان بأن يكون منتجاً فحسب, بيد أنه قادر على أن يكون إنتاجه اضعاف استهلاكه, كما هو الأمر مع الأنبياء والأئمة والعظماء, فإن مقدار استهلاك هؤلاء أقل بكثير من إنتاجهم, وهذا هو أرقى النماذج البشرية وأنفعها للمجتمعات.
وثمة نموذج آخر وهو يستهلك ليحصل على طاقة تمكنه من الانتاج, يأكل ليكتب, فينتج فكراً وثقافة ومواقف, وهناك من يستهلك الكثير, ولكن لاإنتاج لديه, كالذي يخلفه والده في متجره, فإذاكان يبيع كل يوم بنصف دينار, فإنه يأكل بعده بدينار, فما حصل عليه يأكله وزيادة, وهذا هو ادنى النماذج البشرية وأضرها على المجتمعات.
وهناك مسألة من الأهمية بمكان, وهي الحالة "الاكتسابية" والسعي في الحصول على العلوم والمعلومات والتجارب, فمن الناحية الثقافية مثلاً لا يستطيع احد أن يصل الى الانتاج الا بعد ان يقوم بعمل القراءة والكتابة, ومن ثم يتدرج حتى يصبح هو الآخر منتجاً.
أما ان يقول قائل : أريد أن أكون مبدعاً في المجال الفلاني, من دون ان يقطع المراحل الطبيعية في ذلك فهو محال.
www.balagh.com
|