قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

بدلا من صراع الحضارات .. توازن المصالح!!
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

يستطيع الباحث، على صعيد التعرف على الهوية، أن يجد بسهولة في الفكر الأوربي ما يؤكد أن “الأنا” في هذا الفكر لا تتعرف على نفسها إلا عبر “آخر” تضع نفسها كقابل له، كذات تدخل معها في صراع! وهكذا فمنذ اليونان والرومان و”المواطن” يتعرف على هويته من خلال “العبد” داخليا و “البرابرة” خارجيا.
أما في القرون الوسطى فلقد كان “الإسلام” (أو العرب) هو “الآخر” الذي تتعرف من خلاله أوربا المسيحية على نفسها. أما في العصر الحديث، ومع انتشار الرحلات والاستكشافات الجغرافية وشيوع الفكر العلماني، فإن ثنائية “شرق/غرب” أصبحت تحكم حديث الأوربي عن نفسه. واستمرت هذه الثنائية في التغلغل داخل العقل الأوربي إلى درجة أن مفكرا إنجليزيا لم يستطع تحديد “الغرب” إلا بقوله : “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”، وكان الشرق يعني آنذاك الشرق الأوسط والشرق الأقصى معا.
وعندما قام الاتحاد السوفيتي حل “الآخر” الشيوعي محل “الآخر” الشرق، فصار الغرب يتعرف على نفسه من خلال نقيضه على صعيد النظام الاقتصادي : العالم الشيوعي الذي يمتد شرق أوربا الغربية ليشكل الشرق الجغرافي النسبي Eastالذي سيحل محل Orient الشرق (الأوسط والأقصى)، كما حل بالمقابل لفظ West الغرب الجغرافي محل Occident الغرب الحضاري، فصار الغرب يتعرف على نفسه من خلال Eastالذي يعني شرق أوربا وروسيا، وصار التقابل هذه المرة بين East-West وليس بين Orient-Occident.
ولعل ما لا ينتبه له كثيرون أن التقابل الأول تقابل جغرافي محض بمعنى أن الحضارة واحدة وأن الاختلاف في المنهج المتبع في المجال الاقتصادي وحده. أما التقابل الثاني فهو تقابل حضاري على الرغم من أن المنهج الاقتصادي واحد!
ومنذ سقوط الاتحاد السوفيتي برزت ثنائية شمال/جنوب لتحل محل ثنائية غرب/شرق بعد أن لم يعد “الشرق” قابلا للتوظيف في التعرف على “الأنا”/ الغرب بعد سقوط الشيوعية… وكما استعمل العقل الأوربي الجهات الجغرافية المتقابلة (شرق غرب، شمال جنوب) للتعرف على نفسه استعان أيضا بالألوان لنفس الغرض. وهكذا فـ “الآخر” هو تارة “الخطر الأحمر” وتارة “الخطر الأصفر” وتارة “الخطر الأخضر “(= الإسلام ).. وهاهي فكرة “صدام الحضارات” تجمع بين هذين الأخيرين تحت اسم “الحضارة الإسلامية الكونفوشية”، وفي جميع الأحوال يتم السكوت عن اللون “الأبيض” لأنه هو المطلوب تعريفه.
وهكذا فغزو نابليون لمصر هو نقل لـ”الحضارة” من أوربا إلى خارجها : في أوربا يعيش “المتحضر”، أما خارجها فيعيش “المتوحشون”. ومن هنا تلك ا لنظرة الأوربية التي ترى في التوسع الاستعماري عملية “تحضير” : نقل الشعوب الواقعة خارج أوربا من حالة التوحش إلى حالة الحضارة. يقول دولباخ : “إن “التحضير” الكامل للشعوب وللرؤساء الذين يحكمونهم وإصلاح الحكومات والعادات والتجاوزات إصلاح مرغوب فيه ولا يمكن أن يكون إلا من عمل قرون” (يجب أن نضيف : من الاستعمار). وقد عبر فرويد بقوة ووضوح عن هذا المعنى، أعني التقابل بين “الحضارة” و”التوحش”، فقال : “تدل كلمة حضارة على مجموع الأعمال والتنظيمات التي إذا نحن أقمناها أبعدتنا عن الحالة الحيوانية التي كان عليها أجادنا”! ومعنى ذلك أن ما أقامه العرب من حضارة هو وحده الذي يرفع الإنسان عن درجة الحيوان. أما الحضارات الأخرى السابقة فمسكوت عنها لأن العقل الأوربي، بما فيه عقل كبار العلماء، أمثال فريد تحكمه المركزية الأوربية!
هل نخلص من كل ما تقدم إلى القول “إن نظرية صدام الحضارات” إنما تعني اصطدام الأنا الغربي “المتحضر” بالآخر الإسلامي/الكونفوشي المتوحش”؟
إن هناك في التحليل الذي اعتمده هنتنغتون ما يجر إلى هذا النوع من التأويل. ذلك أن العنصر الأساسي، الذي تعتمده نظريته في التمييز والفصل بين “الغرب” والأمم الأخرى التي تضعها في مواجهة معه، هو عنصر “الأسلحة المتطورة”: الغرب يملك هذه الأسلحة ويجوز له ذلك لأنه عاقل متحضر، أما الأمم الأخرى فلا ثقة فيها لأنها غير متحضرة، وبالتالي يجب أن لا تملك الأسلحة المتطورة. والدليل الذي يقدمه هنتغتون على تعقل الغرب وتحضره أنه، “يروج لفكرة الحد من انتشار الأسلحة كمقياس عالمي”، كما يروج أيضا لمبدأ عقد معاهدات للحد من انتشار الأسلحة ومراقبتها كطريقة لتحقيق ذلك المقياس”! هذا بينما تسعى الدول الأخرى (الآخر للغرب) مثل الصين وكوريا وإيران لاكتساب السلاح المتطور. هناك إذن طرف “يحدد ويمنع نمو تكديس الأسلحة في الوقت الذي يقوم فيه بتخفيض قدراته العسكرية الخاصة به، وطرف يطور أسلحته”. الطرف الأول متحضر والثاني…؟
إن منع الأسلحة الفتاكة من الانتشار من جهة، وتدمير الموجود منها من جهة أخرى، عمل حضاري لا شد فيه، بل إنه واجب إنساني، ولكن منطق صاحب نظرية “صدام الحضارات” في هذا الصدد منطق غير مستقيم: إنه يقبل بوجود السلاح النووي عند بعض الدول ولا يقبل بوجوده عند دول أخرى، ولا مبرر له في ذالك إلا كون الدول المالكة للأسلحة النووية لم تستعملها بينما أن الدول التي تسعى لاكتسابها لا ثقة فيها لأنها تنتمي إلى أمم غير “متحضرة”… و “معادية” للغرب، ولذلك فمن المحتمل أن تستعملها !
إن المقارنات السابقة قد يكون فيها بعض التجاوز أو الخلل على مستوى الصرامة المنطقية، ولكن المقارنة هي كذلك دوما. فالمقارنة ليست برهنة، ولكنها مع ذلك وسيلة مفيدة للتوضيح. ولا شك أن المقارنات التي قمنا بها قد أبرزت بوضوح أن عبارة “صدام الحضارات” تخفي أو تريد أن تخفي حقيقة اجتماعية تاريخية تكتسي اليوم طابعا دوليا لم تعرفه من قبل، هذه الحقيقة هي أن ما يهدد الاستقرار والسلام في عالم اليوم أكثر من أي وقت مضى هو صراع المصالح، وهو أشبه ما يكون بـ ” الصراع الطبقي” على مستوى عالمي.
إن من ينظر إلى الوضع العالمي المعاصر نظرة موضوعية، متحررة منطق المركزية الأوربية الغربية، سيرى نظاما تسود فيه علاقة معينة هي علاقة النظام الرأسمالي العالمي بالبلدان التي كانت تشكل “العالم الثالث” والتي أصبحت بحق، في النظام العالمي الجديد، في وضعية “الأمم البروليتارية”. فسلوك الدول الغربية والنظام الاقتصادي العالمي الذي تفرضه، سواء عبر العلاقات الثنائية أو عبر المنظمات والأجهزة الدولية، يجعل علاقاتها مع البلدان الفقيرة وغير المصنعة عموما، علاقات استغلال. والصراع أو الصدام في هذا النوع من العلاقات هو صراع المصالح وليس صدام الحضارات.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R