هل أصبحت وسائل الإعلام خارج السيطرة؟ من المفترض أن تكون الصحافة الحرة احدى المقومات البارزة للمجتمع الحر، فهل أصبحت الصحافة ـ بعناوينها الصاخبة وبطرق عملها السرية وعقليتها التجارية وتخليها العدائي عن الاحترام ـ تشكل تقييداً للديمقراطية بدلاً من أن تكون أساساً لها؟
إلا أن الإعلام اليوم ليس مجرد صحف وإذاعة وتلفزيون، فالعالم يعج بأزيز المحادثات، حتى أصبح من المستحيل الإشارة إلى ظاهرة محددة واحدة. هل تعتبر المجلات اللامعة مثلاً جزءاً من وسائل الإعلام؟ وماذا عن الكتب والأفلام السينمائية وعن الإعلانات وأفلام الفيديو والهواتف المحمولة والرسائل الالكترونية وأجهزة الفاكس والبريد الإلكتروني والبريد العشوائي وأقراص الفيديو المدمجةظ وتطول القائمة ويرفض المدرجون فيها التوقف عن العمل، وكلها "وسائل للتواصل" مسؤولة عن نقل معلومات وعن توجيه الرأي العام. إذا كنا نعني بمصطلح "الإعلام" ـ الذي كثيراً ما يكون مثاراً للسخرية ـ بعض تلك الوسائل وليس كلها، علينا على الأقل تحديد الوسائل التي نختارها وأسباب اختيارنا لها. لماذا ينبغي أن يتضمن الإعلام أعمدة لتقديم النصائح في الصحف وليس في غرف المحادثة على الشبكة الالكترونية؟ هذه نقطة مهمة، فالشيء الذي كان في وقت من الأوقات واضحاً ويمكن تعريفه ـ كتمساح ضخم يتوارى في مياه ضحلة ـ أصبح مثل مجموعة من الأسماك ليس لها شكل محدد تندفع برشاقة في كل اتجاه ولا يمكن الإمساك بها.
وعلى الرغم من ذلك عندما يتحدث الناس عن "وسائل الإعلام" فإنهم يعلمون على الأقل بشكل عام عما يتحدثون عنه، إلا أن "المحاسبة" مع الأسف تقع ضمن فئة مختلفة، "فالمحاسبة" هي كلمة يستخدمها أشخاص مثلي ومثلك في كل الأوقات إلا أن الأكثرية لا تستخدمها.
والشفافية مثل المحاسبة هي شيء نؤيده، كما أن غياب المحاسبة شيء لا نقره، وترتبط "المحاسبة" في أذهان الكثيرين بالديمقراطية، والمدافعون عن "المحاسبة" لا يتراجعون عن موقفهم، وهم يقرون أن "المحاسبة" مصطلح نخبوي لا تفهمه العامة، إلا أن حجتهم هو أنها جزء من الدعامات التي لا نراها دوماً، لكنها ضرورية للحفاظ على البناء، هذا بالإضافة إلى أن العالم المعاصر معقد إلى حد كبير بحيث لا يجوز تركه إلى الناخبين العاديين وممثليهم المنتخبين، وبهذا تصبح السلسلة الهرمية من المحاسبات الحارس الحقيقي للحرية.
هناك وجهتا نظر للمحاسبة: الأولى يتبناها أناس يقومون بالمحاسبة والثانية يتبناها أولئك الذين يحاسبون في الطرف الآخر، وفي الواقع يمكن القول ان هناك سياسة تمييز في المحاسبة "فإما أن تكون ممن يحاسبون (بكسر السين) أو ممن يحاسبون (بفتح السين)" حسب قول البروفسور بن دريلي "ومن الرائع أن تكون في الطرف الأول، إلا أنك لن تسر بوجودك في الطرف الآخر".
إلا أن السؤال الأساسي المتعلق بالمحاسبة هو حول توجهها ـ وهو المجال الأكثر إثارة للتشويش ـ وخاصة المحاسبة أمام مَن؟ يمكن لخطوط المحاسبة أن تتشابك، ويعد الارتباط في وسائل الإعلام بشكل خاص حالة خطيرة. ففي حالة مدرسة أو جامعة على سبيل المثال يمكن أن يكون الرئيس فيها مسؤولاً أمام عدة مجموعات في وقت واحد ـ أمام حاكم الولاية وأمام الحكومة وأمام الممولين وطاقم العمل والطلاب، أما في حال الصحافة فالمجال أوسع من هذا وأقل وضوحاً، فوسائل الإعلام لديها وجهة نظر ومستهلكوها لديهم وجهة نظر أخرى. وهنا تطرح عدة أسئلة: هل تكون معايير "المحاسبة" مستوفاة اذا كان مالك وسيلة الإعلام راضياً والقراء راضون؟ وهل هي مستوفاة بسبب ارتفاع المبيعات أو غير مستوفاة في حال انخفاضها؟
وهناك مجموعة أخرى من الأسئلة يطرحها حراس الديمقراطية من الصحافيين أنفسهم، والسؤال الأهم هو من هو المحاسب (بكسر السين) ومن هو المحاسب (بفتحها)؟ يؤكد المحررون أن الإعلام يتطلب درجة عالية من حرية العمل لأن وسائل الإعلام نفسها هي التي تقوم بالمحاسبة بالدرجة الأولى في مجتمعنا، وماذا ستكون وظيفتها إن لم تحاسب الجميع؟ وهكذا فإنه ليس على الصحافة والإعلام المرئي والمسموع أن تكون عرضة للمحاسبة أمام المالكين والجمهور والمسؤولين، إن من يقف في قفص الاتهام هم أصحاب رأس المال والسياسيون لتقوم وسائل الإعلام بمحاسبتهم من خلال دورها الأساسي كقاضي تحقيق.
www.balagh.com
|