عبد الحليم حمود
الأطفال هم الضحايا الأكثر هشاشة والأسرع سقوطاً, لأن التجارب المروعة تدمر وجودهم الداخلي حين يسلبون الإحساس بالأمن والثقة بالنفس والاطمئنان الى الحياة برمتها, وليس من الضروري أن يتعرض الأطفال أنفسهم للتجارب المروعة ويكفي أن يروها تصيب الآخرين, إن مشاهد العنف – حتى من الآخرين – لها تأثيركبير غير محدود على طبع سلوك الأطفال بالعدوانية, والميل الى ممارسة العنف كوسيلة للدفاع عن الذات, ولهذا وصفت الحروب والنزاعات المسلحة بأنها كوارث من فعل الانسان,لأنها تقوض النظم القائمة,وتخلق حالات من التوتر الجماعي تسببه الخسائر البشرية والمادية,والنظرة السلبية الى وقائع الأمور,والإحساس بخطر الموت أو الإعاقة,وترهق هذه العوامل كاهل الفرد,وتضعف قواه في المقاومة والتأقلم معاً.
ويجد الأطفال في التلفيزيون مشاهد عديدة للنزاعات المسلحة التي تتسابق بعض القنوات الفضائية الى عرضها,إذ يشاهد الأطفال أطفالاً تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة مجندين ومقاتلين في نزاعات مسلحة, على رغم أن ذلك محرم دولياً, إذ يبلغ عدد الأطفال المجندين في العالم اليوم مئات الآلاف, ويجد الأطفال في الجو التلفيزيوني الذي تشكله الفضائيات للنزاعات المسلحة أطفالاً لاجئين مع ذويهم أو لآخرين افتقدوا الأهل والأرض, إذ يزيد عدد اللاجئين من الاطفال اليوم على نصف أعداد مجمل اللاجئين في العالم.
ويشاهد جمهور التلفيزيون من الأطفال أقراناً لهم قتلى تلقى أجسادهم في ساحات المعارك, وآخرين بترت أعضاؤهم بسبب المقذوفات, كما يشاهدون أطفالاً يتعرضون لظروف قاسية ومعاملة سيئة, مثلما يشاهدون أطفالاً رسم الفقر والجوع على وجوههم وأجسادهم علامات بارزة.
ويشاهد جمهور الفضائيات من الأطفال أطفالاً لايجدون لعباً غير أن يلعبوا بالألغام التي يغرسها المتنازعون في بؤر النزاع, تلك الألغام التي سرعان ماتنفجر في وجوه اللاعبين الصغار.
ويشاهد جمهور الفضائيات من الأطفال مئات المشاهد العنيفة في عالم الكبار مثلما يشاهدون الموتى الذين تتركهم الحروب ضحايا,وقد انتفخت اجسادهم اوتقاطرت منها الدماء, مثلما يشاهدون أعمال العنف الأخرى والتعذيب والاعتقال والترحال.
وهكذا ,يتعرض الأطفال الى أعمال العنف والرعب,وربما يعود إقبالهم على هذا النوع من البرامج الى أنهم لايجدون فيها شيئاً من وحي حياتهم أو من تجاربهم الشخصية,إذ يبدو كل شيء فيها ممكناً, وقد يعود الى ان بعضهم لايفهمها فهماً جيداً,ذلك أن فهم الحوادث ومجريات الأحداث تخفف القلق والرعب بشكل كبير.
ومن هنا,فإن اعمال العنف في النزاعات المسلحة تنشر القلق في نفوس الأطفال وتزيد مخاوفهم.
وعلى هذا فإن الأطفال ضحية للعنف والنزاعات المباشرة,حيث يلاقون الموت والإصابات والخوف والدمار بسبب المشاركة في النزاعات المسلحة,وهم حين يكونون جمهوراً للتلفزيون يتأثرون بما يعرض عبر شاشاته على مستوى المشاعر والتفكير والسلوك,وقد ثبت ان برامج العنف والنزاعات المسلحة من أكثر الموضوعات تأثيراً في الطفولة.
وأطفال الوطن العربي يتعرضون,مثلما كثير من أطفال العالم,لتأثيرات النزاعات المسلحة بصورة مباشرة, ويتعرضون ايضاً لمشاهد الكثير من النزاعات عبر الفضائيات.
www.balagh.com
|