قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

هل يمكن أن تتجاوز أسعار النفط الخام 150 دولارا؟

في المدى القصير أي لنهاية 2008 ستبقى السوق النفطية مضطربة، وأي خلل في العرض بغض النظر عن مسبباته (ازدياد حدة التوتر في المنطقة، اضطراب سياسي أو اجتماعي أو إضراب في إحدى الدول المنتجة، كوارث طبيعية..) سيؤثر حتماً على مستوى الأسعار. فالحديث عن 150 دولارا وحتى 200 دولار للبرميل يكتسب مشروعيته. بالمقابل قد نشهد انخفاضاً في الأسعار لأشهر معدودة خاصة إذا ما خفت عوامل التوتر السياسي، لكن الاتجاه على المدى المتوسط والطويل سيكون نحو الصعود وحتى ولو ازدادت الاستثمارات النفطية (كما هي الحال الأن) كون أي زيادة في الإنتاج ستمتص مباشرةً بفعل استمرار نمو الطلب. وبالتالي لم يعد منطقياً الرجوع إلى أسعار أقل من 100 دولار للبرميل خاصة للأجل المتوسط فكيف بالبعيد. ونعتقد أن حقبة النفط الرخيص قد ولّت ودخلنا في حقبة منفصلة تماماً عن الماضي حيث سيكتسب النفط أكثر فأكثر صفة السلعة الإستراتيجية وبامتياز، خاصةً وأن مصادر الطاقة البديلة لن تكون مصدر تهديد حقيقي للنفط، كمصدر أول للطاقة في قطاع النقل، كون تزايد إنتاج السيارات في العالم سيدعم الطلب على النفط، وذلك على الرغم من الجهود العالمية المبذولة لإنتاج نوعيات جديدة من وسائل النقل التي لا تعتمد على النفط كمصدر للطاقة.
وعلى المدى المتوسط والطويل لن يحدث "تصحيح" جوهري في البورصات أي انفجار فقاعة التضخم. فارتفاع مستوى الدخل في الصين على سبيل المثال، سيزيد من الطلب على الطاقة والنفط تحديداً، وهذا يعني أنه بمرور الوقت ستزداد أهمية الصين في سوق النفط، وستسعى لأن تلعب دوراً في تأمين إمداداتها النفطية مباشرةً من الدول المنتجة وليس فقط من خلال الأسواق نظراً للصفة الاستراتيجية لهذه المادة. وستفرض نفسها كلاعب مهم في منطقة الخليج العربي وبحر قزوين وروسيا وستبني بالتالي تحالفاتها المستقبلية ضماناً لمصالحها النفطية الحيوية، الأمر الذي سيكون له نتائج اقتصادية وسياسية واسعة في مناطق عديدة من العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط.
والأمر نفسه سيزداد مع الولايات المتحدة الأميركية، التي تملك 2% فقط من الاحتياطي العالمي، وتستورد 25% من الصادرات العالمية للنفط. وتنتج حالياً حوالي 9 ملايين ب/ي بينما تستهلك 21 مليون ب/ي.
بالتالي سيزداد ارتباط أمريكا بالنفط المستورد وبالتحديد منطقة الخليج العربي، على الرغم من تعدد علاقاتها مع روسيا ودول بحر قزوين وأميركا اللاتينية المنتجة للنفط.
ونشير هنا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تستورد حالياً 70% من حاجاتها النفطية و50% من الغاز، ومع هبوط إنتاج بحر الشمال فإنه من المتوقع في عام 2020 أن تصل مستوردات الاتحاد الأوربي من النفط إلى 90% ومن الغاز إلى 70%.
وعلى مستوى العالم فقد يرتفع الطلب على الخام من 85 ملايين ب/ي إلى 110 ملايين ب/ي في عام 2015 وإلى 125 ملايين ب/ي في 2025، هذا ما يؤكد أن النفط سيظل المصدر المهيمن للطاقة في العالم في المستقبل المنظور وسيبقى سلعة حيوية واستراتيجية على الأقل للأمد 2025.
وبالتالي وفي ظل انحسار فرص وجود اكتشافات نفطية ضخمة حول العالم كالتي عرفتها الصناعة النفطية سابقاً، تنفرد منطقة الخليج العربي بأهميتها النفطية لجهة الضغط عليها لزيادة العرض. فكل الإسقاطات تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط ستلعب الدور الأهم لتلبية الزيادة المتنامية والمطلوبة في الإمدادات العالمية. ودول الخليج بالتحديد، التي تملك المزية الجيولوجية باحتوائها على أكثر من 65% من الاحتياطي العالمي للنفط (الأقل كلفةً والأسهل استخراجاً) وتنتج فقط 25% من الإنتاج العالمي (البالغ حالياً 85 ملايين ب/ي)، تملك وحدها القدرة على إضافة طاقات إنتاجية جوهرية في المدى المنظور. وهي "مدعوة" بشكل حثيث لزيادة إنتاجها لتأمين هذه الاحتياجات (من 25 إلى 40 ملايين ب/ي في عام 2015)، سيما وأن معظم الدول المنتجة تضخ الأن بأقصى ما تسمح به حقولها النفطية والتي لا يمكن زيادتها بفترة قصيرة. وتكاد السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت الدول الوحيدة التي لديها القدرة على زيادة الإنتاج جوهرياُ مقارنة بالعراق وإيران، حتى لا نقارن مع دول أخرى لا تسمح احتياطياتها بتطوير كميات كبيرة نسبياً.
وبالنظر إلى أسعار النفط الحالية وبالأسعار الثابتة (دولار 2006) فإننا مازلنا دون مستوى أسعار 1979 بالقيم الحقيقية. وإذا تجاوزنا الأجل القصير فإننا نعتقد أن عتبة 200 دولار ستكون منطقية قبيل الأجل 2010 وحتى مع وضع احتياطيات إضافية موضع الإنتاج، كون الاقتصاد العالمي سيبقى كما ذكرنا، بحاجة إلى هذه السلعة الإستراتيجية والناضبة وحتى مع عودة الطاقة الذرية للبروز وازدياد استخدام الطاقات الجديدة والمتجددة.
لكن برأينا والاهم من كل ذلك بالنسبة لدول المنطقة المنتجة للنفط ليس فقط كيف سيتطور سعر الخام على المدى المتوسط والبعيد بل أيضاً كيف يمكن استغلال وفرة الموارد المالية بالشكل الأمثل؟ أي هل ستستطيع تحقيق التنمية المستدامة أم ستكتفي كما في السابق بتسجيل معدلات نمو مرتفعة دون إجراء الإصلاحات الهيكلية الضرورية للتخلص من المنطق الريعي والإعداد لفترة ما بعد النفط وتحصين مجتمعاتها من التدخلات الخارجية؟

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R