إن الهدف المنطقي من التراكم المعلوماتي هو الاستفادة منه من أجل زيادة راحة الإنسان ورفاهيته وزيادة معرفته بالعالم المحيط به, إلا أن هناك خوفاً من أن هذا الطوفان المعلوماتي سيترك آثاراً سلبية خطيرة على حياته.
فأمام كم هائل من الكلمات والصور والأصوات والمخططات والرسومات والبيانات والأرقام والعلاقات التي تشكل كلها في النهاية المعلومات وتغمر حياة الانسان في كل مكان,فإنه سيشعر بالعجز والضياع والتفتت في مجتمعات يزداد تعقيدها وتخصهها أكثر فأكثر وتفرز دائماً تراكمات معلوماتية جديدة.
ورغم أن الحاسوب قد تم ابتكاره أصلاً للسيطرة على كم كبير من المعلومات وتنظيمها وبرمجتها فإنه هو نفسه قد يسهم في التشويش المعلوماتي وتنامي الفوضى المعلوماتية.
فهو يقدم كماً هائلاً من المعلومات الجزئية والمتخصصة والتفصيلية لأصغر قضية ,بحيث يصعب على الفرد المتابعة والاختيار واتخاذ القرارات,وقد تصيبه بالشلل أمام قضاياقد يحسن حلها حدسي مع معطيات أولية بسيطة.
وللهروب من هذا قد يلجأ الإنسان الى التخصص المتزايد في عمله وحياته مما يزيد في ضياعه.
وقد يعيش في تلوث معلوماتي بدلاً من تلوث بيئي يؤدي به في النهاية الى شعور وإحساس عام بغياب المعنى,وخاصة مع تشكيل كتل معلوماتية ضخمة منفصلة وغير متفاعلة مع الحياة الانسانية.
وهذا ما تتحدث عنه تيارات مابعد الحداثة عن حالات الشيزوفرينيا والتشتت واللااستمرارية والفوضى التي ستصيب مجتمعات الغد المتقدمة والمعقدة.
ومن هنا تنتشر الأصوات ضد التخصص المغرق الذي سيفرضه "مجتمع المعلومات" والدعوة الى كليانية قائمة على أساس معرفي جديد تعطي المعنى لحياة الانسان.
فالأيكولوجيون على سبيل المثال يكتشفون أكثر فأكثر التشكيلة الطبيعية للعلاقات المتبادلة بين النواع الحياتية على سطح الأرض ضمن كلية نظام واحد متناغم.
أما إنسان المجتمعات النامية فيتوجب عليه الصراع الدائم بين الرواسب الخرافية التي تشده الى الماضي وبين تطلعاته الى "مجتمع معلوماتي" مستقبلي,تتحكم فيه بنى حضارية متقدمة تقوم على رؤى عقلانية وإدارة علمية.
إذ إن الآراء فيما يتعلق بماهية "مجتمع المعلومات" ليست نهائية وحاسمة,وهي مفتوحة وقابلة للنقاش مثل كل المفاهيم التي ظهرت عن المجتمعات المستقبلية.
www.balagh.com
|