قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

العنكبوت.. كيف أصبح لغة العصر؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د.نسيم الخوري
لماذا الإشارة الى العنكبوت في منظومة (www) المفتاح الضروري لنوافذ المعرفة والمعلومات في الحواسيب؟
وهل تمكنت هذه المنظومة,فعلاً,من تحقيق سلطات تسود البشرية,وتتجاوز الى حد كبير سلطات العائلة والمدرسة والجامعة ودور العبادة والمؤسسات السياسية والمدنية وحتى العكسرية؟
يبدو التمثل بالعنكبوت لأنه يعمر أعشاشه في مخازن وأقبية المعلومات الخاصة بالدول والأفراد,وقد أخرجته رمزاً الى النور في الوقت نفسه الذي أفرجت فيه عن هذه المعلومات وطرحتها ملكاً للبشرية كلها بواسطة الإنترنت.
وحقق هذا الإخراج تجليات غير مقصودة على الأرجح لسلطات تجعل الدول الكبرى في دعواتها الى اللامركزية المعرفية تنجز مركزية فائقة السلطة تشابه سلوك العناكب وسلطتها,أليس العنكبوت هو الذي يبصق أسلاكه أمامه فيلصقها ويفلشها قاعداً في مركزية عشه جاهزاً لاصطياد الحشرات التي تعلق فوق شباكه الناعمة,فيتقدم لتوفير وقوعها في الشرك أو الانقضاض عليها أي موتها؟
وتشابه الدول والجماعات المعاصرة هذه الحشرة الى حد بعيد ,إذ تقع "ضحايا" وبالمصادفة فوق أسلاك المعرفة والمعلومات اللاسلكية التي تلف الكرة الأرضية في لامركزية وهمية موثوقة عملياً بسلطات مركز العولمة العالمي وسلطاته,أي الولايات المتحدة الأمريكية.
ولايخرج الإنسان المعاصر في صورته الجديدة عن العنكبوت في رمزيته للصمت الكامل,فالقابع خلف الشاشة عصبياً أو هادئاً وحيداً يتوهم أنه يخفق أقصى إبداعاته الاتصالية واللغوية,لكنه في الواقع أسير الصور والأصداء في اتصالاته الحديثة الوهمية التي تدرج في قوائم السلوك المرضي في معاجم الطب النفسي الحديث وعياداته المنتشرة في الغرب كنتيجة حتمية لانتفاء الاتصال في مابين الأفراد.
وتظهر المفارقة المعاصرة في أن المعرفة الحديثة المحكومة بالاتصال تبدو محكومة في تسميتها وطرائقها,من ناحية أخرى,بما يظهرها نسيجاً شديد القوة في ضعفه.
ويدفعنا التحليل لهذه الظاهرة في ربط المعلومة بالعنكبوت,أي لغة العصر الى ملاحظتين ,واحدة بيولوجية وأخرى دينية:
أ-حفظ العنكبوت اللغة العربية وتمكن من رفع الأذى عن النبي محمد (ص) الذي لجأ الى المغارة هرباً من بطش قريش,فأصبح للعنكبوت قيمة خاصة في لا وعي العرب والمسلمين دفعهم الى الاعتقاد "بتقديسه" والمحافظة عليه.
وتشير الرواية في سيرة النبي محمد (ص) الى هذا الموضوع عندما أمره الله بالهجرة من مكة الى المدينة,فقد لجأ داخلاً غاراُ بجبل ثور في أسفل مكة خوفاً من ان يلحقه أذى قريش التي جعلت مائة ناقة مكافأة لمن يدلها على مكان وجوده أو يأتي به.
وقد أشار القرآن الكريم الى هذا الأمر :(إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لاتحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى,وكلمة الله العليا والله عزيز حكيم).
ب-تقوم أنثى العنكبوت بقتل ذكرها مباشرة بعد تلقيحها ,فيتفجر لعابها اللزج الممزوج بمادة شديدة الصلابة تستعمله في بناء عشها الهندسي الدقيق.
وتستعمل الذكر المقتول لغذائها,وتجويفة لوضع بيضها من ناحية أخرى.
تهدف هذه التفصيلات الى إيحاءات البحث في معاني السلطة وانهياراتها وفقاً لغريزة التكاثر لدى العناكب حيث تقوم الأنوثة الحية في سلطاتها المطلقة على أنقاض الذكورة فتتضاعف,وقد يختل مدلول السلطة بين الذكورة والأنوثة,ويفترق بافتراق الثقافات واختلاف النظرة اليهما.
ترمي هاتان الملاحظتان الى التمهيد العابر لعدد كبير من التسميات التي يتبناها تقنيو الاتصال المعاصرون لوسائل الإعلام ونظمه وبرامجه وأفكاره الحديثة,ويستوحون فيها مظاهر الطبيعة الاتصالية الفجة في تجسيد للقدرات والسلطات التي يقدمها عصر الاعلام.
ولاتخضع هذه التسميات والأفكار الى المصادفة والشاعرية وحسب,بل الى تطويع النظم المعقدة الرياضية بواسطة المقابس والأزرار الفائقة الذكاء,والتي تكاد تنضوي وتؤول في مجملها الى منظومة الانترنت عبر شبكة الشبكات أو النسيج العالمي لخيوط العنكبوت (www) "لعبة" القرون المقبلة المعرفية.
لقد أفرز منطق الألعاب المسيطر على المعرفة فلسفة جديدة في تاريخ البشرية لم تعرفه منذ نشوء الفكر الفلسفي تفترض أن القليل من المعرفة مع كثيرمن الخبرة أجدى بكثير من الكثير من المعرفة مع القليل من الخبرة.
ولقد ساعدت هذه "الفلسفة" اللعبة في تعزيز التطبيق أو الخبرة والتقنيات مكان النظريات والمعارف الجاهزة غب الطلب المحشوة في الذاكرات الآلية الجديدة الاصطناعية والتي تفوق طاقات الفرد بما لايقاس,إنها في الواقع فلسفة اختبارية بسيطة تتضاعف بساطتها أو سهولة احتوائها كلما تعقدت أدواتها وصغرت أحجامها,وهنا تكمن الثروة الهائلة التي ثورتها التقنيات الحديثة بحيث يبدو الانقلاب جذرياً في مقولات المعرفة اليونانية التي عاشت آلاف السنين.
لقد ساعدتنا هذه "الفسلفة" في حل مغارمة الصراع بين الاجيال في البحث عن مستقبل اللغة التي بدت اسيرة الشبكة مثل غيرها من لغات العالم.
وكان علينا الدخول من عالم ترتاجع فيه السلطات لتنضوي في هذه الفسلفة الجديدة التي يمتلكها الاطفال.
وكان علينا ايضاً تجديد البحث في عالم الأطفال وأدواته المعرفية المعاصرة,وبدا أن الفرد الصغير,من دون اي تمييز في الجنس,صاحب استقلالية مطلقة من دون عوائق.
إنه صاحب سلطة في غياب شبه كامل لمؤسسات السلطة,ليس وهمياً,بل يفصح عن انهيار خفي في الصمت يطوع رموز السلطة المنزلية على الأقل,لشدة تمرسه السريع بعالم الألعاب.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R