|
فرحان الديك
من الصعب جداً تعداد, حتى باختصار, التحديات التي تثيرها حضارة المجتمع الصناعي في وجه الدين كأفق للفرد العربي, ان لم يكن لسبب فيكفي ان يكون ذلك بسبب الانتشار اللامتساوي لامكانات العلم والتقانة, تبعاً لمستوى ودرجة التحديث في الاقطار العربية المختلفة, وبسبب تنوع المذاهب وحتى الاديان داخل المجتمع الواحد, وبالتالي اختلاف ردة الفعل او درجتها تجاه تحديات هذه الحضارة للدين.
لكن هذا لا يمنع من ان حضارة المجتمع الصناعي المتطور تشمل كل التقاليد والمؤسسات الدينية على الرغم من تأثيرها المتباين في الثقافات المحلية التقليدية, وقد اخترنا ان يكون تناولنا للتحديات التي يواجهها الدين الاسلامي في الاقطار العربية المختلفة, وبالتحديد في الميادين التي يشملها التحديث في هذه الاقطار, من زاوية انعكاسات عملية التحديث على المؤسسات التي تلعب دوراً في رسم شخصية الفرد, وبالتالي في انتقال الحضارة, لان مثل هذا التحليل سيقتصر على رصد التغير المسجل في هذا النطاق وبالتالي يحررنا من بحوث ميدانية يتعذر تحقيقها, لاسباب معروفة. ومن جهة اخرى سيكون لمثل هذا التحليل قيمة تنبؤية بالنسبة الى المجتمعات التقليدية في الوطن العربي, حيث هذه التحديات التي تطرحها حضارة المجتمع الصناعي تنعكس عليها بدرجات مختلفة.
من منظور سوسيولوجي, ان العلمنة, كظاهرة ملازمة لحضارة المجتمع الصناعي وكأفق ثقافي للفرد فيه, كما كان الدين الاسلامي يشكل افقاً ثقافياً للفرد العربي, هي, كما يعرفها بيتر بيرجر, سلسلة الافاعيل التي تخرج على اثرها قطاعات من المجتمع والثقافة عن سلطة المؤسسات والرموز الدينية... والعلمنة تترافق مع اخذ الاديان بالاعتبار لـ "الدنيوي" في استقلاليته تجاه السماوي أو المفارق, دنيوي يتجلى كعالم من القيم له تماسكه الداخلي وبعد مثالي قوي.
والعلمنة هي تحد للدين, أي دين, من حيث انه يمتد الى هذا العالم الدنيوي, ويهيمن عليه, كواقعي وحقيقي.
هذه العلمنة, كتحد عام وشامل للدين, يمكن ان تحلل باظهار اهم انعكاسات حضارة المجتمع الصناعي المتطور العلمية والتقنية على البنى الثقافية والمعرفية للانسان, ولادراك المدى الذي يشمله التحدي الذي تثيره حضارة المجتمع الصناعي امام الدين الاسلامي من الضروري بالنسبة الينا ان نتذكر ونعيد امام الاذهان ان الدين في الاسلام ليس قضية خاصة او مجالاً او حيزاً محدداً بدقة, ومفصلاً او المحيط العائلي والاجتماعي والسياسي والقانوني, وهو لا يترك حيزاً من الحياة الفردية والجماعية دون احكام وقواعد, وفروعه تمتد الى كل مجال, وتأثيره حاضر باستمرار.
www.balagh.com
|