قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الترشيد والقفص الحديدي

د. عبد الوهاب المسيري
من أهم آليات العلمنة الشاملة الترشيد في الاطار المادي, أي اعادة صياغة الواقع المادي والانسان نفسه في ضوء المقولات المادية.
الترشيد في الاطار المادي
كلمة يرشد لها عدة معان:
1- يسوغ او يبرر, بمعنى: يفسر المرء سلوكه باسباب معقولة او مقبولة ولكنها غير صحيحة.
2- ومن المعاني الاخرى المتواترة لكلمة يرشد: يوظف الوسائل بأكثر الطرق كفاءة لخدمة أهداف معينة.
وهذان المعنيان للكلمة ينصرفان الى الوسائل وحسب. ولكن هناك معنيين اخرين يؤكدان ان الترشيد ليس مسألة خاصة بالوسائل وحسب, بل تخص الموضوع ايضاً:
3- يستعيض عن التفسير الغيبي لشيء ما بتقسير طبيعي (مطابق للمبادئ العقلية ولقوانين الطبيعة / المادة).
4- يجعل الشيء مطابقاً للمبادئ العقلية والمادية.
ويمكن القول بان الترشيد المادي يتم في خطوتين:
1- سحب الاشياء من عالم الانسان ووضعها في عالم مستقل يسمى عالم الاشياء المادية: الاقتصادية – السياسية – السلع, ترشيد البنية المادية والاجتماعية.
2- ولكن الامر لا يتوقف عند هذا الحد اذ يتم سحب الانسان ذاته من عالم الانسان ووضعه هو الاخر في عالم الاشياء. ثم يسود منطق الاشياء على كل من الاشياء والانسان, ويسري قانون طبيعي مادي واحد على الاسنان والطبيعة (ترشيد الانسان). وهذا هو التشيؤ الذي تشير اليه بعض الادبيات الغربية التي تتناول ظاهرة التحديث, ولكن هذا هو ايضاً من أشكال العلمانية الشاملة.
يمكن القول بأن الترشيد المجرد من القيمة هو في واقع الامر اعادة صياغة للمجتمع ككل عن طريق تفكيكه واستبعاد سائر العناصر المركبة التي تستعصي على القياس, العناصر الانسانية او الربانية, التي يتركب منها, واعادة تركبيه على هدي المعايير العقلية والعلمية الواحدية المادية, ومن ثم يتوافق هذا الواقع الاجتماعي مع القوانين العلمية الواحدية الصارمة ويخضع للاختبارات والاجراءات الكمية وللقياس, فهو يمحو سائر الثنائيات التي تفترض وجود اكثر من جوهر وأكثر من قانون, ويستبعد كل الخصوصيات والمنحنيات الخاصة للظاهرة, التي تتحدى القانون العام, ويرفض كل المطلقات التي تشكل تجاوزاً للقانون المادي الواحد العام وخرقاً له وتشكل عدم استمرار في الكون, وينكر كل المعايير الاخلاقية الثابتة فهي خارجة عن الظاهرة المادية موضع الدراسة, ويتعامل مع الحدود ومع ما يقاس فاللامحدود وغير المقيس لا يمكن تطبيق النماذج الكمية عليه.
وتتصاعد عمليات الترشيد في البنية المادية والاجتماعية وفي الانسان, من الداخل والخارج, حتى يصل الترشيد الى لحظة التحقق النماذجية وهي لحظة التحكم الكامل الافتراضية حينما يصبح المجتمع نسقاً الياً نمطياً منظماً خاضعاً للحسابات الكمية ولا يشير الى أي عنصر خاجه, فهو مرجعية ذاته, ويتم استخدام كل شيء فيه بكفاءة, ويتحرك الانسان فيه داخل اطار بيروقراطي لا شخصي تتحكم فيه معايير عملية واضحة دقيقة يمكن ترجمتها الى ارقام وكم, وتتشابه فيه كل وحداته وتتماثل بعد ان تم تنميطها, ويتحرك المجتمع ككل لتحقيق اهداف يحددها من يقومون بصياغة المجتمع حسب مقاييس علمية رياضية دقيقة دون الالتفات الى اي قيم او معايير تقع خارج نطاق هذه المصلحة والاهداف.
ولا يتم الارتكاز الى اي قيم اخلاقية او انسانية ولا يتم الالتفات حتى الى الطبيعة البشرية كمرجعية نهائية, فهي لابد ان تختفي في اثناء عملية الترشيد حيث تصبح الحياة قفصاً حديدياً كاملاً. وفي الواقع, فان معظم الادب الحداثي يتخيل الانسان بعد وصوله الى هذه اللحظة النماذجية في نهاية الامر وفي التحليل الاخير حين يسيطر على المجتمع والانسان مرجعيات مادية ومطلقات مجردة لا انسانية لا يفهم البشر كنهها, وتأخذ الحياة شكل دورات متكررة لا معنى لها. وعلى سبيل المثال, في عالم كافكا وبكيت, يجد الافراد انفسهم داخل متاهة من الاوامر التي تأتيهم من مصادر مجهولة لا يعرفونها, كما تقوم البيروقراطيات اللا شخصية بتنظيم حياة الانسان وترتيبها.
ويقترب المجتمع النازي من المجتمع الذي يصفه الادب الحداثي حيث ادخل كل شيء في شبكة السببية الصلبة والحسابات الرقمية وحيث قسم البشر الى نافعين للدولة من حقهم الحياة وغير نافعين لها يتحولون الى مادة نافعة لها من خلال معسكرات السخرة والابادة التي تمت ادارتها بكفاءة عالية حسب ادق المعايير الرياضية الكمية وبعد حسابات المكسب والخسارة.
وقد تم التعامل مع المادة البشرية ذاتها وتوظيفها بطريقة رشيدة مبرمجة مخططة – وحتى التعذيب لم يكن يتم بشكل عشوائي فردي وانما بشكل مؤسسي منظم.
وينصرف الترشيد الى كل مجالات الحياة: طرق تفسير الواقع, والتوصل الى المعرفة, ومناهج التعامل مع الطواهر, وتصنيف العلوم والنماذج الاساسية ونماذج الادارة, كما ينصرف الى رغبات الانسان واحلامه, بل وجسده والمنزل الذي يعيش فيه وطريقة افصاحه عن نفسه.
وقد تصاعدت عملية الترشيد من عملية في القطاع الاقتصادي للمجتمع, يتسع نطاقها شاملاً المجال السياسي, ثم انتقلت عملية الترشيد من المجالات البرانية الى المجال الانساني الجواني: الادراك والاخلاق ومفهوم الطبيعة البشرية.
مع هذا, فانها لم تأخذ شكل متتالية جامدة تبدأ بالاقتصاد وتنتهي بالانسان, وانما كانت كلاً مركباً كل عنصر فيه مؤثر, سبب ونتيجة في الوقت ذاته.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R