قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الحرب والثقافة.. في مشابهة لا تنتهي

عبد الاله بلقزيز
نعم, تشبه الثقافة الحرب من أوجه عدة, أخص هذه الاوجه قوة التشابه في نمط الاليات التي تشتغل بها كلتاهما: تستعمل الحرب اساليب الحيلة والمخادعة قصد مفاجأة الخصم والحاق الضربة غير المتوقعة به, وكذلك تفعل الثقافة اذ تعمد الى الايديولوجيا لممارسة التضليل ضد الخصم وتحقيق هدف الاخضاع المعنوي له.
وتعبر الحرب عن درجة عالية من ممارسة العنف المادي المجرد, مثلما لا تتورع الثقافة عن نهج أساليب العنف المعنوي أو الرمزي. وتقدم الحرب نفسها بوصفها طريقة شرعية لتحصيل حقوق مشروعة أو الدفاع عن مبدأ متعال أو قضية مقدسة (الوطن, الحرية...), ولا تختلف الثقافة عن ذلك حين تعرض نفسها من حيث هي السبيل الامثل للدفاع عن المثال الانساني او عن الثوابت الجوهرية للمجتمع والامة (الهوية او الشخصية الوطنية)... الخ.
غير ان أهم ما يجمع بين الحرب والثقافة اتخاذهما نفس الاستراتيجيات والاختيارات التكتيكية.
ولعل ذلك يبدو على نحو اوضح في حالات الهزيمة او الدفاع التي تعقب نكسة عسكرية او ثقافية. ها هنا تستعير الثقافة تقنيات الحرب, على اوضح نحو, وتشتغل بها اشتغالاً وظيفياً يبدو – في سلطة الخارجي – طبيعيا.
ونحن نستطيع – في هذا المضمار – أن نحصي ثلاث حالات من التشابه بينهما:
يعيش المهزوم في المنافسة العسكرية غير المتكافئة مع عدو أقوى أوضاعاً ثلاثة: اما وضع المستسلم المعترف بهزيمته, الذي يذعن بشروط واملاءات الخصم بسبب افتقاره الى القدوة على مقاومتها, وإما وضع المنكفئ الى بناه التقليدية (القبيلة, والطائفة, والاقليم... الخ) لتنظيم مقاومة مسلحة غير متكافئة معه, أو وضع المتكيف مع حقائق الهزيمة تكيفاً ايجابياً يتحاشى السقوط في الاستسلام او الانجرار الى الانتحار, ويتطلع الى تنظيم مقاومة مدنية, أو استنهاض عناصر القوة الكامنة في الذات, من أجل تجنيدها في معركة تصحيح حالة الضعف التي قادته الى الهزيمة.
يشكل الاول في قدراته الذاتية وينصرف عن التفكير فيها الى الانبهار بالغالب والتماس الحلول عنده.
ويضخم الثاني من تلك القدرات, فيسقط صريع نرجسية قاتلة تمنعه – في الان نفسه – من نقد الذات ومراجعتها ومن الاستفادة من اسباب قوة الخصم, أما الثالث, فهو اذ يراهن على تجنيد قدراته الذاتية, يخضعها للفحص, ويعيد بناءها بعد الاغتناء من تجربة خصمه المنتصر والاسباب التي صنعت انتصاره. وفي سائر حروب المهزومين, لا نعثر الا على هذه الاشكال الثلاثة من ردود الفعل: الاستسلام والصلح, أو الرفض والثورة, أو الممانعة المدنية طويلة النفس.
تعتيش الثقافة – المهزومة في المنافسة الحضارية – الاوضاع "عينها" من وجه تقريبي. انها ترتد الى احد ثلاثة مواقع: موقع الاذعان والاستسلام, أو موقع الرفض والنكوص, أو موقع التكيف الايجابي مع الغلبة المادية والرمزية لثقافة "الاخر".
في الموقع الاول, تتراجع عن الشعور باهليتها المعرفية والسوسيولوجية لتكتنز بشعور الانبهار بثقافة الاخر ومنظومة القيم لديه. فتعيش – في داخلها – حركة مزدوجة الاتجاه: جلد الذات والهجوم على السائد والموروث, ثم التماهي مع ثقافة الغالب والاذعان الكامل لمنظومة القيم الرمزية لديه.
وفي الموقع الثاني تنسحب من زمنها المعرفي المعاصر, لتنكفئ – في شكل احتجاجي سلبي – الى مدونتها التقليدية الموروثة, متخذة اياها مردعيتها الوحيدة في وعي العالم, غير عائبة بالفجوة الكبيرة الفاصلة بين المعرفة الانسانية المعاصرة وبين رصيدها الفكري التقليدي. أما في الموقع الثالث, فتتجه الى اختيار سبيل التثاقف, وهو كناية عن انفتاح ايجابي على الثقافة الانسانية, وانتهال من ثمراتها على قاعدة شعور واثق بالانا وبقدرتها على الاغتناء والعطاء. في النتجة, تعيش الثقافة ثلاث حالات من الشعور متباينة, هي – حسب ترتيب الاوضاع الثلاثة السابقة – حالة الشعور بالدونية, وحالة الشعور بالفوبياء (= الخوف الدائم), ثم حالة الشعور بالندية. ومثل الحرب, تمثل الحالة الثقافية الثالثة (= حالة الانفتاح والتفاعل والممانعة الايجابية دفاعاً عن ذات فاعلة متطورة), الحالة الاكثر استيعاباً للحظة الهزيمة: فهي اذ ترفض الاستسلام الثقافي لمنظومة الاخر, الذي يهدر شخصية الثقافة, ترفض – في المقابل – النكوص والانكفاء لانه يمنع الثقافة من التقدم, - وبالتالي – من تنظيم المقاومة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R