|
أحمد العبيدلي
يؤكد الكاتبان الأميركيان باتريك كلوسون ومايكل آيزنشتات؟، أن تقنيات الحرب المتوقعة وتفاصيل الهجوم المحتمل ليست هي المهمة وإنما السياق الذي ستجري فيه الحرب هو المهم. فإن كانت الصورة عن المسألة ترتسم على أنها ملحة وبرز المتشددون الإيرانيون على أنهم مصدر الأزمة، فسيقبل الكثيرون في الولايات المتحدة وإيران وبمناطق أخرى، وإن كان على مضض، العملية الاستباقية على أنها ضرورة غير سعيدة. ولربما امتد أثر مثل هذا الانطباع على قرار الإيرانيين فيما إذا كانوا سيعيدون البناء أو سيردون عسكرياً. وعلى سبيل المثال، فبينما لم يكن القبول الأوروبي بالعمل الوقائي قائما في الفترة التالية مباشرة للغزو الأميركي للعراق، فإن المزاج قد تغير وعلى الأقل في فرنسا.
ولا يقتصر الأمر على الرئيس نيكولاس ساركوزي أو وزير خارجيته برنار كوشنير حين إصدار مواقف متشددة إزاء طموحات إيران النووية، ولكن مثلها يصدر أيضاً من مثقفين مبرزين هناك. ويعتقد المؤلفان بأن هذا التغيير في المزاج الفرنسي هو مثل صالح لكيف يمكن للسياق أن يؤثر على من سيلام وعلى يد من، وهو ما يمكن أن يؤثر بدوره على ردة فعل إيران على العمل الوقائي.
سيناريو الخيارات الأميركية
يبين الكاتبان الأميركيان بأن طبيعة أي عمل وقائي قد تقدم عليه أميركا مترافقاً مع حجم العمل وأفقه سيؤثر على الأرجح على طبيعة الرد الإيراني وحجمه وأفقه. وضمن الاحتمالات المتوقعة يسرد الكاتبان الخيارات الأميركية الممكنة على النحو الآتي:
* العمل السري
وهو أقل الأعمال خطورة إن كان من ناحية التعقيدات المحتملة أو الرد الإيراني العنيف. ويحتوي هذا العمل على أعمال تشابه تشجيع هروب المهندسين أو العلماء، وتسريب تصاميم تحتوي على خلل يتعلق بالأدوات والآلات، أو فيروسات مدمرة لأنظمة الكومبيوترات الأساس أو تخريب بعض تسهيلات جوهرية. وقد لا تكون طهران قادرة على التحقيق فيما إذا كان الخراب لخدمات أساس ناتج من حادث صناعي أو عملية تخريب. وحتى ما إذا شكّت في احتمال التخريب، فقد لا تكون قادرة على التحقق مما إذا كان ذلك عائداً لعمل منشقين إيرانيين أو لمخابرات أجنبية.
* قصف إنشاءات سرية
وهو الخيار بالقيام بعمل شبيه لما قامت به إسرائيل ضد الموقع النووي السوري في 6 سبتمبر/ أيلول ,2007 هذا بالطبع إن وجدت إنشاءات سرية إيرانية. ويستعيد الكاتبان أحد أهم جوانب النجاح في العملية ضد سوريا أنها تمّت من دون أن تستثير أي احتجاج عربي علني، مظهرة - حسب قول الكاتبين - العزلة السورية بهذا الاتجاه. ولقد وقع السوريون في حيرة من حيث أنهم لم يكونوا أنفسهم قادرين على الاحتجاج لكون ذلك سيعني اعترافهم بوجود مؤسسات سرية. وهذا ما يختلف عن إيران من حيث أنها سبق وأعلنت عن وجود إنشاءات لإنتاج مواد انشطارية، وهو ما يعني بأن مهاجمة المواقع السرية لن تستبعد ضرورة الهجوم على مواقع أخرى.
* الهجوم الشامل
وعلى رغم كون هذا الخيار يأخذ بالأمر إلى الجانب العسكري من الناحية الشكلية إلا أنه مرتبط من الناحية الفعلية بالسياسة وإلى حد كبير فهو يترك أحد أهم الأسئلة دونما إجابة: ارتباط حجم وأفق الهجوم بالآثار السياسية المترتبة. فلو كان الهدف سيتحقق من ضربة واحدة لكان الأمر أقل كلفة سياسية، كما أنه لو أن التدمير لم يلحق إلا بجزء من الإنشاءات، واحتفظت إيران ببنيتها سالمة بغالبها، فلربما امتنعت من أن ترد بقوة حفاظاً على ما تبقى لها، ودرءا لأي استفزاز قد يؤدي إلى ضربات أخرى.
وهناك مسألة المدنيين ومدى تأثرهم بتلك الضربة، فمما يقلق المخططين هو الآثار التي يمكن أن تحل بالسكان، خصوصاً وأن بعض المنشآت السرية والتي فككت بإيران العام 2002 وقعت بالقرب من تجمعات سكنية كبيرة. وإن وقعت أخطاء في القصف فقد يؤدي ذلك إلى مقتل أعداد كبيرة فتكون شدة الرد واتساعه مما لم يكن في الحسبان.
ويضاف إلى ذلك أن بعض المنشآت العلنية واقعة بالفعل قرب تركز سكاني واضح: فمفاعل بوشهر وإنشاءات إصفهان للتحويل واقعة في قلب التركز السكاني، ويمكن لمثل هكذا قصف أن يؤدي إلى بروز سحاب من المواد الكيماوية السامة وأخرى مشعة ستؤثر بلا شك على الناس وتذكر العالم بحادث جوبال بالهند العام .1984
* الخيار الإسرائيلي
إن صحت الكثير من التصريحات الصحفية، وقامت ''إسرائيل'' بالهجوم فهذا سيفتح الباب لمخارج إيرانية أخرى. فلربما تفادت إيران الرد الموسع لئلا يؤدي ذلك إلى التدخل الأميركي. ولكن ولنفس السبب فلربما فضل بعض المخططين الإيرانيين الاستفادة من ذلك وشن هجوم موسع مقابل يؤدي إلى استدراج أميركا فيقوى الربط في أعين الكثير من العرب والمسلمين بين إسرائيل وأميركا. ويمكن للرد الإيراني أن يكون إعلامياً ضد أميركا، وعسكرياً ضد إسرائيل. ولكن أي خيار ستقدم عليه إيران سيعتمد بالأساس على حجم الهجوم وأفقه.
احتمالات الردود الإيرانية
يفرد الكاتبان الأميركيان حيزاً كبيراً لخيارات إيران واحتمالات ردودها.
* الانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي
احتفظت إيران بشرعية برنامجها النووي عبر ادعائها بأنه ملتزمة بمعاهدة منع الانتشار النووي مع تأكيدها على حقها المطلق في تقنية التخصيب تمشياً مع الباب الرابع من المعاهدة. وإن أقدمت إيران على الانسحاب من تلك المعاهدة في حال إقدام الولايات المتحدة أو إسرائيل على شن حرب، فهي تهدد بخسارتها للحرب الدبلوماسية، وتعقد جهودها للظهور بمظهر الضحية المضطهدة وتزيد من صعوبات الحصول على تقنية نووية من الخارج لبناء برنامجها النووي. ولذلك فإن هي قررت ذلك فلربما يكون الأمر نابعاً من اعتقادها بقدرتها على مواصلة برنامجها النووي بالاعتماد على نفسها. وبالمقابل يمكن لأميركا أن تستبق ذلك عبر إصدار قرار من مجلس الأمن يلزم أي عضو يقرر الخروج أن يتخلص من أي تقنية حصل عليها بحكم كونه قد وقّع على الاتفاقية، وإلا عرض نفسه لعقوبات اقتصادية أو تدمير منشآته.
* إعاقة صادرات النفط الإقليمية
ويستدعي المؤلفان بهذا الصدد تقريراً استخبارياً يفيد بمقدرة الأسطول الإيراني على إيقاف حركة النفط في الخليج لفترات قصيرة بالاعتماد على قوة متعددة التشكيل تتكون من غواصات تعمل بالديزل وقوارب لإطلاق الصواريخ وألغام بحرية وصواريخ مضادة للسفن تنطلق من البحر ومن السواحل. على أنه وإن تمكنت إيران من فعل ذلك بل وبث الرعب في أسواق المال والبترول إلا أنها لن تستطيع فعل ذلك لفترات طويلة. فهناك أسباب تقنية أولها أن الحاملات الضخمة بات من الصعب إغراقها لوجود أغلفة متعددة بها. ويمكن تنظيف المياه من الألغام. ثم أن مضيق هرمز متسع وعميق إلى درجة يصعب من خلاله تحقيق المنع الشامل.
يضاف لذلك انعدام الوضوح حول ما ستستهدفه طهران من إعاقة الملاحة بالنظر إلى أن أربعة من ستة موانئ لتصدير النفط الإيراني واقعة بالخليج نفسه.
* إيقاف تصدير النفط الإيراني
يمكن لإيران أن تتخذ قرار إيقاف تصدير نفطها نفسه، وهي تملك من الاحتياطي النقدي ما يمكنها من العيش لسنة ونصف من دون تصدير (تمتلك ما يقرب من 70 مليار دولار). على أن تأثير هذا القرار سيعتمد على رد فعل المصدرين الآخرين، وكان المنتجون الخليجيون حسب التقرير قد أعدوا العدة لتوفير إنتاج زائد لمواجهة أي نقص قد ينشأ من جراء هذه الخطوة.
* مهاجمة منشآت خليجية للأميركيين وحلفائهم
ويورد المؤلفان احتمال مهاجمة البنية التحتية لمنشآت أميركية أو لحلفاء أميركا في المنطقة. وعلى وجه التحديد ترد منشآت بقيق بالسعودية وهي أكبر مجمع نفطي بالعالم ويعالج نصف الصادرات السعودية. وكانت السعودية قد أضفت الكثير من الحماية وأساليب الوقاية على تلك المنشآت بعد العام .2006
وهناك محطات تحلية المياه التي توفر ما يزيد على 60% من حاجات الخليجيين للشرب. وبالطبع يمكن لهذا الاحتمال أن يخفف عبر إجراءات تتمثل في ربط شبكات المياه في دول الخليج.
ولكن يشير الكاتبان إلى أن أياً من هذه الأعمال ستعني زج دول الخليج والسعودية في مواجهة إيرانية أميركية، ستنحاز فيها لأميركا، وهو تكرار لما جرى في حرب الخليج الأولى. وتبدو إيران أكثر ارتياحاً لاستعمال قواربها الصغيرة لمواجهة حرب ضد المنشآت الأميركية، وشعورها أن بإمكانها أن توقع خسائر موجعة بالأسطول الأميركي الخامس بالخليج.
* مهاجمة المصالح الأميركية في العراق
ويمكن لإيران بهذا الصدد أن تزيد تدريجياً من دعمها للميليشيات الشيعية و''المجموعات الخاصة'' لتنغمس في شن هجمات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف. وكلما تزايد احتمال توجيه ضربة وقائية للجمهورية الإسلامية كلما توجهت إيران نحو هذا الخيار، والذي سيمتد تأثيره العملي من تقديم المساعدة لهجمات المتفجرات المصنعة محلياً إلى تقديم أسلحة أكثر تطوراً. وسيؤدي ذلك بالطبع إلى زيادة العبء على قوات التحالف لزيادة مراقبتها لمحاولات تهريب الأسلحة.
* مهاجمة إسرائيل عبر لبنان
وسيكون ذلك عبر دعوة حزب الله لشن حرب صواريخ ضد إسرائيل إزاء الضربة الأميركية، وبذلك يتم تسديد ضربة لحليف لأميركا من جانب ولزيادة النقاط التي ستحوزها إيران وسط الشارع العربي. ولربما تردد حزب الله في ذلك في محاولته لاسترداد عافيته بعد حرب ,2006 ووسط محاولته استعادة البناء وتمتين مواقعه ضمن الطائفة الشيعية بلبنان. كما أن ذلك قد يؤدي إلى زيادة الدعم الأميركي لتوفير أسلحة وقائية لإسرائيل من هجمات لصورايخ متوسطة المدى.
* مهاجمة مفاعل ديمونا
لربما تختار إسرائيل أن توجه صواريخها لتضرب المفاعل النووي بديمونا. وسبق لإيران أن حاولت من دون نجاح في بدء الحرب العراقية الإيرانية أن تهاجم المفاعل العراقي في 30 سبتمبر/ أيلول 1980 قبل أن تدمره إسرائيل بعد أقل من سنة من ذلك.
* باتريك كلوسون: المدير المساعد لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، وهو مؤلف أو محرر لأربع وعشرين كتاباً ودراسة عن الشرق الأوسط وإيران على نحو الخصوص. حاصل على الدكتوراه.
* مايكل آيزنشتات: زميل عال ومدير لمعهد واشنطن لبرنامج الدراسات العسكرية والأمنية وهو خبير في شؤون أمن الخليج وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وحاصل على الماجستير في الدراسات العربية.
المصدر: صحيفة الوقت.
|