|
عبد الحليم حمود
أدى الانصراف النسبي عن قراءة الصحف المطبوعة من ناحية ورغبة هذه الصحف ذاتها من الناحية الاخرى في متابعة أداء رسالتها على الوجه الاكمل الى ان يصدر بعضها (طبعات) رقمية على الشبكات الدولية (الانترنت) لنشر بعض محتوياتها من الاخبار والمعلومات الاخرى على اوسع نطاق ممكن, بقصد الانفتاح على جماهير جديدة من (القراء) الذين قد لا تكون لهم معرفة كافية سابقة بتلك الجرائد او سياساتها واتجاهاتها الفكرية عسى ان يساعد ذلك على عودة معدلات توزيع الجرائد (الورقية) الى الارتفاع مرة اخرى, ولكن يبدو ان ذلك الهدف لم يتحق بالقدر الذي كانت ترجوه هذه الصحف.
وقد سيطر في التسعينات جو من التشاؤم حول مستقبل (صناعة) الصحافة نتيجة لانتشار استخدام الانترنت بكل ما يتميز به من سرعة فائقة في نشر الاخبار اولاً بأول, وبعد ان عرفت الاعلانات ايضاً طريقها اليه, وساد حينئذ الاعتقاد بانه مع بداية القرن الحادي والعشرين سوف تكتسح "الصحافة الالكترونية" امامها "الصحافة الورقية" أو الجرائد المطبوعة العادية, والواقع انه لا تكاد توجد في الوقت الحالي اي جريدة من الجرائد المهمة في معظم دول العالم دون ان يكون لها موقع على الشبكة الدولية, وقد دفع هذا الوضع – وما ينتظر له من تطورات على حساب الجرائد المطبوعة – أحد رجال الصحافة الامريكيين, الى ان يقول في اجتماع مديري التوزيع الذي عقد في تورنتو بكندا في نوفمبر 2004: "لقد ماتت بالفعل الجرائد المطبوعة, ولذا ينبغي على صناعة الصحافة ان تركز تركيزاً شديداً على النشر الالكتروني".
وهذا هو ما يحدث الان بالفعل, اذ بدأت بعض كبريات الصحف في الخارج ترسل من دون مقابل رسائل الكترونية لمن يطلبها تحتوي على رؤوس الموضوعات وملخص لاهم الاخبار التي تنشرها في طبعتها الورقية, وتعتبر ذلك (خدمة) عظيمة الاهمية بالنسبة للاشخاص الذين لا يجدون لديهم الوقت الكافي لقراءة الجريدة ذاتها, او الذين لا تصل اليهم الجريدة في الوقت المناسب.
والاغلب ان يصبح هذا "النموذج الحر" أو "النموذج غير المطبوع" هو الاكثر انتشاراً في المستقبل نظراً لتعقد الحياة التي لن تترك للافراد فسحة من الوقت تسمح لهم بتصفح الجريدة كلها. ومن الطريف هنا ان نجد النيويورك تايمز تعلن في أواخر اكتوبر 2005 عن اصدار "طبعة الكترونية" كاملة من الجريدة الورقية وتذكر صراحة ان هذه ليست مجرد موقع على الشبكة وانما هي "صورة رقمية طبق الاصل من الجريدة المطبوعة" تحتوي على "كل المقالات والصور الملونة والاعلانات" التي ترسل اتوماتيكياً كل صباح الى المشتركين على شاشة الكمبيوتر دون ان يحتاج الشخص الى الاتصال عن طريق الانترنت مع امكان تخزينها للرجوع اليها وقت الحاجة.
ان الانترنت يتيح الى اي شخص عادي فرصة زيارة جميع المواقع الخاصة بكل الجرائد, التي يود تصفحها في مختلف انحاء العالم بحيث يجد ما يشبع رغباته وميوله واتجاهاته الفكرية الخاصة, وهو الامر الذي لا تستيطع اي جريدة واحدة ان توفره لقرائها, كل منهم على حدة. فالجريدة تخضع فيما تنشره من اخبار ومعلومات للسياسة الخاصة التي يرسمها اصحاب تلك الجريدة, ورئيس التحرير – وهم الذين يتحكمون في اختيار ونشر ما يروق لهم من الاخبار والمعلومات الكثيرة المتاحة.
فهل تؤشر تلك الوقائع الى زوال الصحف الورقية؟ وما هي الموجبات لبقائها واستمرارها؟ أهي قوة العادة التي تأسر القراء أو انها الحميمية التاريخية التي تستند الى اشياء مثل رائحة الحبر وملامسة الورق او الراحة النفسية في الاختلاء بالذات اثناء المطالعة اليومية؟
www.balagh.com
|