قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الانفتاح.. بين الافساد والاصلاح

الانفتاح إشكالية متولدة في المجتمعات الاسلامية من موقع المواجهة مع الغرب بمرجعته الفكرية والقيمية والسلوكية.
اشكالية الانفتاح على الغرب أو بالاحرى على المرجعية الغربية الحديثة بدأت للظهور والتشكل على أثر الحملة الفرنسية على مصر في العام 1798م.
المجتمعات الاسلامية كانت في الاصل مهمشة وضعيفة ومريضة, وبتعبير اخر كانت هذه المجتمعات تحمل قابلية الاستعمار على حد تعبير مالك بن نبي, وهذه القابلية هي التي شرعت أبواب الانفتاح على مضراعيها.
الانفتاح يعتبره البعض خيراً كله ولابد للمجتمعات الاسلامية منه, بينما اعتبره البعض الاخر شراً كله, وأن على المسلمين الحذر منه, وبين هذا وذاك ظهر الموقف المعتدل الذي يسعى لتحديد مفهوم الانفتاح أولاً ومن ثم اتخاذ موقف منه في بعض النواحي بالسلب والرفض وفي نواح أخرى بالايجاب والقبول.
لا يمكن للمجتمعات الاسلامية ان تبلور موقفاً موضوعياً من الانفتاح في ظل عدم التكافئ بينها وبين الغرب الجهة المصدرة لقيم الانفتاح وتداعياته, ومن هنا سيبقى موقفها متأزماً من الانفتاح على ضوء علاقتها المتأزمة مع الغرب, وهذا خيار يبدو أن المجتمعات الاسلامية ليس لديها بديل عنه في الوقت الراهن.
من أجل أن لا يتحول الانفتاح الى عقدة في الضمير المسلم علينا أن نتبنى سياسة ثقافية أولاً, واجتماعية ثانياً, لمواجهة التداعيات السلبية للانفتاح, وأما تبني رءية حضارية في مواجهة الانفتاح فهو أمر بعيد المنال في الواقع الاسلامي, لان خطوط الدفاع الاولي في المجتمعات الاسلامية قد تحطيت منذ زمن بعيد, ونفذت أفكار وقيم وممارسات الاخر في الجسد الاسلامي.
الانفتاح يواجه إشكالية الشد والجدب, أو المد والجزر, وهذا الامر ليس ناشيءاً من قوة الذات الاسلامية, وانما من قوة الاسلام التي ستظل تفرض نفسها على الواقع.
في مجتمعاتنا الاسلامية الحديثة تتحدد اشكاليات الانفتاح ضمن ابعاد اخلاقية واجتماعية لانها هي الابعاد التي نشعر تجاهها بمزيد من التحسس, ولكن النظرة التحليلية تقتضي منا أن نتوجه الى دراسة الانفتاح كظاهرة تنفذ في أعماق المجتعات المسلمة من موقع الضعف الهشاشة التي تميز الوجود الاسلامي, ومن موقع عدم القدرة على تبني موقف فاعل في مواجهة الاخر, مما يحول المسلمين على الدوام الى تبني مواقف انفعالية تجاه مسألة الانفتاح, ومن الواضح ان الموقف المأزوم لا يمكن أبداً أن يخرج بنتيجة حاسمة ولصالح من يتبناه, وذلك لانه يفتقد القدرة على التفكير, مع أن التوفر على القدرة التفكيرية شرط لا مناص منه لاتخاذ أي موقف متوازن ومنضبط.
تحويل الانفتاح من اشكالية الى نقطة قوة يحتاج الى تغيرات كبيرة تطرأ على واقع الانسان, وقد يشعر الانسان الذي يعيش الانفتاح بوصفه اشكالية في الرغبة في تحقيق هذا التغيير, ولكن قد تكون قدراته الذاتية أو ظروفه الموضوعية لا تسمح له بذلك, وعادة ما يسبب هذا الامر احباطاً متزايداً عند الانسان, وقد يؤدي به الى الهروب من الواقع والعيش في عالم خيالي ومثالي, ولكن ما أعتقد انه يلزمنا لتحقيق ذلك هو النظرة البعيدة التي تتجاوز النظر الى ظواهر الامور والواقع القائم لتستشرف المستقبل الذي لابد وأن ينطوي على معطيات موعودة لا يمكن أن تصب الا في المسار الصحيح لحركة الانسان, وهو ما نستلهمه من قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال".
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R