قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الإنسان المعاصر.. بضاعة أم أداة؟؟
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

محمد سبيلا
مشهد العالم المعاصر هو فعلا يثير الرثاء:حروب في كل مكان,مؤامرات ,اقتتال بين الإخوة,مديونية خانقة حتى بالنسبة لدول ذات ثروات أو غنية ,انفصالات,انقلابات..
والطريف في الأمر أن ثقافة هذا العصر,الثقافة الجماهيرية المسعيةالبصرية الخاضعة لتوجيه المركبات الصناعية والعكسرية والتجارية الكبرى في العالم,أسهمت ليس فقط في إضفاء الطابع الدرامي على صورة العالم اليومية,بل جعلت الدراما والمأساة والدم والدموع والآلام والعنف عامة مشهداً عادياً وطبيعياً ومألوفاً.
لقد أصبح الخير والسعادة والسلم هي الاسثناء,إن اخضاع المشاعر الإنسانية (النبيلة منها والوضعية) للدائرة الميركانتيلية,دائرة الكسب والربح,يقتضي ويمر عبر إضفاء الطابع الدرامي عيلها ابتداء من مسلسلات التلفزيون وأفلامه الى نشرات الأخبار الى الجرائد والمجلات المتداولة.
كل هذا المركب الإعلامي الصناعي السياسي يتضافر ليصوغ صورة دراماتيكية عن العالم.
لكن المؤسف هو أن لهذه الصورة سندها ومرتكزها في الواقع,فشلال الدماء والدموع والاحزان المتدفق في كل مكان من هذه الكرة,هو من جهة بضاعة إعلامية ثمينة,لكنه من جهة ثانية انعكاس لوضع بشري جديد أصبح فيه العنف إعلامياً وعمومياً في الوقت نفسه.
فالذي حصل هو أن التوازن التقليدي بين النوازع العدوانية في النفس البشرية,التي تزكيها أو تشعلها أو تلهب أوارها مكاسب اقتصادية أو سيطرة سياسية أو استتباع ايديولوجي,وبين الكوابح الحضارية ضد استشراء العنف والوحشية التي تختزلها القيم الدينية والمنظومات الأخلاقية,قد اختل نهائياً لصالح الغرائز والدوافع البهيمية,وذلك مع خسوف قوة المنظومات الفكرية التقليدية أو تضاؤل تأثيرها تحت تأثير ثقافة أخرى هي ثقافة المردودية والفعالية المرتبطة بالتقدم التقني.
لقد زادت التقنية من قوة الانسان فردا وجماعة ونوعا,وتناغم هذا التزايدمع انشحاذ القوة البهيمية (قوة الكسب والسيطرة) بارتفاع المحظورات وانبساط القيم واستوائها.
ان توافر آلات وأدوات الحرب والعنف حافز مادي وموضوعي كبير يجد في تهيؤ النفوس والعقول استجابة كبرى.
فهذه الآلات صنعت لتستعمل وتصرف لالتشاهد وتتأمل.
إنها ليست مشاهد أو لوحات فنية للاستعراض بل أدوات تحث على الاستنفاذ والاستنهاك والاستعمال.
هذا نداؤها في ذاتها,بغض النظر عن الأساليب السياسية والتجارية والإعلامية التي يهيئها منتجوها للمساعدة على صرفها وتصريفها.
إن الدماء والدموع والآلام,المسوقة اليوم إعلامياً على نطاق واسع,هي من جهة استجابة لطبيعة البشرية ينكشف بالتدريج بعدها العضوي البهيمي ليسيطر على بعدها الروحي والاخلاقي ,لكنها استجابة ايضاً للمتطلبات المتداخلة لعنصرين أخذا يشتبكان الى درجة التماهي والتوحد هما: التقنية ورأس المال.
فمن حيث أن وجودهما لايتوقف فقط على مجرد الحضور والمثول على الفعل,وعلى هذا الذي يسمى اليوم ممارسة ,فإنهما مدفوعان بحكم ماهيتها وتركيبها الداخلي الى التطور والنمو: تطور التقنية الكمي والكيفي ,نمو رأس المال: هذان هما الغايات السامية القصوى لهذا العصر والمحركات الدينامية الخفية – المقنعة بأنظمة سياسيةوشركات متعددة الجنسية,ومركبات صناعية عسكرية وبمقاطع بشرية – لمخاضاته ومآسيه.
هل هي قدرية جديدة,قدرية تكنو رأسمالية أخذت بتلابيب العالم منذ القرن الثامن عشر؟ هل من أمل بالخلاص؟
وراء عبارة النظام العالمي الجديد,ذات الرنة السياسية القوية,تكمن في صورة ثقافية للعالم الحديث,صورة قوامها أن فواعل التاريخ العالمي المعاصر,الذي اتخذ بعدا كوكبيا وقرويا اليوم هي التقنية ورأس المال.
قد نميل الى اختزال أحد الطرفين وتذويبه في الآخر ,لكن التحليل المعمق بين أنه على رغم تناغمهما وتشابكهما فإن لكل منهما مسلماته ومقتضياته.
فالتقنية هي تحويل كل شيء الى أداة نافعة وقابلة للاستعمال,أي إنها تنشر وتشرع لعلاقة نفعية – أدائية – استعمالية مع كل الأشياء,بما في ذلك البشركشيء متميز بين الأشياء.
أما رأس المال فهو القوة أو العلاقة التي تحول كل شيء الى بضاعة قابلة للتبادل,وبذلك يخلق نمط آخر لعلاقة الإنسان بالعالم وهي العلاقة التبادلية أو السلعية المعممة.
وعندما ينعدم هذان الفاعلان الكونيان – بعد فترة تشويش استمرت زهاء السبعين سنة من القرن الماضي – فإن الكرة الأرضية كلها تصبح مسرحاً لألعاب القوى بالمعنى الحرفي للكلمة,أي العاب الموت والدماء ,وذلك في انتظار دليل عكسي على ذلك.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R