|
إبراهيم محمود
ليس ثمة آخر على صعيد التواصل بين الشعوب ,إن الآخر ليس سوى الواقع المختزل , والواقع المجير ,الذي ترسمه الإيديولوجيا , بما هي إمحاء للتفاعل والتواصل – تحدد عدد مفرداته وعدته المعنوية (الآخر) وهم في مساره الأيديولوجي , كإغلاق للواقع المعين وعليه , بقصد الإمعان في إفقاره من الداخل , وهو حقيقة عندما نجد في هذا الإجراء محاولة لتجنب الآخر الأقوى حضورا من صانع الوهم , وعندما نجد أن الآخر مطالب بدمه , ليدخل في سلطة الأقوى تابعا ومعظما لسلطانه.
إن مساحة الإيديولوجيا تتعاظم , وتبث مؤثراتها المدمرة في كل منحى فكري وثقافي , فلا تعود الثقافة تفهم إلا من المنظور الإيديولوجي , ولاتعود الإيديولوجيا عنصرا مشعا في الكيان الثقافي , بل تغدوا الثقافة – هي ذاتها – كيان الإيديولوجيا , وإن صناعة الآخر , على صعيد الممارسةالسياسية , هي من قبيل قطع الجسور بين ما يعتاش به سياسيا في الواقع – من قبل المنخرطين في لعبة السياسي (الحاكم أو المسؤول السياسي هما أو هناك) في إطاره العربي – وما هو متداول سياسيا في مجتمع الآخر الذي تنتفي فيه مثل هذه التقسيمات أو التصنيفات , فالسياسة في مجتمع الآخر لها قواعدها الممسرحة ورموزها الثقافية وأصالتها التاريخية المرافقة لحركية المجتمع في إطاره العام وعلى أكثر من صعيد , وأوجه خفائها وتعددية منابرها وتنوع أصواتها المتنافسة ...بعكس ما هو متداول عربيا , حيث تحال اللعبة السياسية في بعدها الوحيد الواحد (هذا إذا جازت تسميتها بـ لعبة) على شخص هو الحاكم الشمولي القرارات والمؤثر الأول في كل قرار يتخذ هنا وهناك , وفي ظله تتوزع شخصيات تابعة , أو تحكيه ممارسة سلطة حزبية أو غيرها ....
وصناعة الآخر على صعيد الوعي التاريخي تمارس بترا للتاريخ , ولحركية التاريخ , ومفهوم الزمن في التاريخ , وذلك عندما يصبح التاريخ ذا بعد واحد , هو الماضي , والماضي هذا يتجلى في علاقة صراعية بين طرفين لا يلتقيان , يشكل الآخر في تجليه الوجودي والواقعي والثقافي كل رموز السلبية والتآمر المتجدد باستمرار ضد ما يسمى بـ الذات الحضارية في تمحورها المجتمعي .
وصناعة الآخر على صعيد الحضور الثقافي توطد الإنعزالية والإختزالية والقسر المفاهيمي في الوعي الثقافي , ومن خلال رموز الثقافة و حيث تتجلى الثقافة المجتمعية هنا أسيرة خصوصية تتوالد ذاتيا.
ويتجلى كل رمز ثقافي في حقيقته تعبيرا عن تاريخ محدد , هو داخل في كيان مصطنع تصوري وفكري , يجد معناه فيما يركز ويراهن ويلح على عقلنته , لتعميق المسافة الأيديولوجية بين ما هو معيش , وما يمثله الآخر ويتم نسيان أو تناسي حقيقة حقانية هنا , وهي أن الآخر لايفهم بعيدا عما يسمى بـ الذات /الأنا , وأن الذات /الأنا لا تفهم بدون حضور الآخر بكل تجلياته الثقافية , فإقصاء (واختزال ونفي) ما يسمى بـ الآخر تعبير عن موقف تاريخوي لا يمتلك قدرة على مواجهة ذاته , في مسارها التاريخي وتجليها الإجتماعي , والصعود إلى مستوى ما يعتبر الآخر ( آخرا ) لمواجهته فعليا وعن جدارة , أنه الخوف من رؤية (الذات) في تفككها , وتشرذم وضعها السياسي , ودونية حضورها التاريخي , وضحالة نشاطها الإجتماعي الفعلي .
ولعل المتمعن في حركية الثقافة بكل أبعاده الفكرية والعلمية والسياسية وغيرها عربيا , ومنذ عقود زمنية طويلة , لابد أن يتلمس هذا التأخر التاريخي في وعي تاريخية الذات كعلاقة ليست احادية البعد , بل متنوعة ومتعددة الأوجه , وفي عدم الآرتقاء إلى مستوى ما هو راهن ومعاصر تاريخيا في الإبداع التاريخي , وتأكيد الخصوصية الفاعلة.
www.balagh.com
|