يلعب النفط دورا كبيرا في حياة الإنسان المعاصر نظرا لأهميته الهائلة في وسائط النقل والصناعة , واحتياطي النفط في تناقص مستمر وهي مشكلة تعانيها أيضا مصادر الطاقة غير المتجددة مثل الفحم واليورانيوم , غير أن للنفط تأثيرا نوعيا على مدنية الإنسان أو ما يسمى بـ (مدنية النفط) وغالبا ما يعرف القرن العشرون بـ قرن النفط.
أحدث النفط , منذ اكتشافه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أمريكا , تغيرات تكنولوجية كبيرة , وكان أهمها تطوير ماكنة الإحتراق والتي جعلت من النفط وقوداً مهماً لهذه الماكنات,مما خلق اهمية كبرى لتجارة النفط وانعكس تأثيره على السياسة والاقتصاد,خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين,الأمر الذي أدى الى حدوث أزمات طاقة عالمية شديدة كما حصل في عقد السبعينات.
وأزمة الطاقة كما سميت في الغرب العام 1973 تركت آثاراً بالغة على اقتصاديات الدول الصناعية وكثفت حالة التضخم النقدي في بلدان المعسكر الرأسمالي الغربي.
وكان لمنظمة الاوبك دور كبير في رسم سياسات النفط وأسعاره,وتتحرك من موقع قوة ونفوذ في السوق العالمي.
أسست البلدان الغربية المستهلكة للنفط منظمة الطاقة الدولية ككارتيل دولي مكافئ لمنظمة الأوبك , ثم استخدم الغرب مخزونه من نفط بحر الشمال والنرويج وأماكن أخرى لخفض أسعار النفط الذي تنتجه دول الأوبك , مما أثر على نفوذ الأوبك في السوق الدولية وقدرتها على تحديد الأسعار الملائمة لأستراتيجيتها , والأهم من ذلك عرض النفط كسلعة في سوق البورصة في بداية الثمانينات كالذهب والنحاس لتتحكم به قوى السوق , وأصبحت التجارة وسعة الصادرات , في هذه البضاعة المهمة تتم ليس من خلال الناقلات الكبيرة كما كان في العهد الماضي , وإنما من خلال شاشات الكومبيوتر الموجودة في البورصات العالمية .
كما أن الدول الغربية اتبعت سياسة تخصيص ضريبة الطاقة على النفط والهدف الظاهري لهذه السياسة هو الحفاظ على البيئة , بينما حقيقة الأمر هي معالجة عجز الميزانيات الذي تعانيه معظم بلدان المجموعة الأوروبية , وهذا يعني عودة الإيرادات النفطية من المنتجين إلى المستهلكين , حيث استطاعت المجموعة الأوروبية في العام 1992 جمع ما يقارب 200 مليار دولاؤ كضرائب بيئة بالأضافة إلى 11.8 مليون برميل يوميا من المنتوجات النفطية المستهلكة , ويمثل هذا المبلغ في الحقيقة ثلاثة أضعاف الرقم 74 مليار دولار الذي جمع من قبل مصدري النفط لبيع الكمية نفسها , أي 11.8 مليون برميل باليوم , ونسبة هذه الضريبة هي في تصاعد مستمر , وذات تأثير بالغ الأهمية على المنتجين من حيث تسعيرو النفط , والذي يعاني زيادة الأنتاج والتكرير للحصول على الإيرادات النفطية نفسها قبل وضع الدول الغربية سياسة الضريبة , ولهذا واجهت منظمة الأوبك في عقد الثمانينات من القرن العشرين فترة حرجة من تاريخها , واصبحت بعد حرب الخليج الثانية قوة غير مؤثرة في تحديد الأسعار .
وتدل المؤشرات على أن النمو الإقتصادي لبلدان جنوبي شرق آسيا يتطلب استهلاكا أكثر للنفط من أمريكا وأوروبا الغربية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين , وأن معظم هذه التجهيزات النفطية الجديدة ستأتي من منطقة الشرق الأوسط , كما أن اليابان سيبقى أيضا معتمدا في تحصيل معظم نفطه على هذه المنطقة , جعلت أزمة الطاقة في السبعينات اليابانيين يتجهون نحو تحويل الإستراتيجية الصناعية بعيدا عن الإعتماد الكامل على النفط ومحاولة استبداله بشكل جديد من الطاقة .
وقد نجحوا كثيرا في هذا المضمار بإحداث تقدم تكنولوجي يعتمد على المعلومات والمعرفة والتي تشكل بداية مرحلة جديدة .
وتقتصد التكنولوجيا المتطورة في استهلاك طاقة النفط إلى درجة كبيرة , كما أنها تحسن كفاءة الإستعمال وتقلل التلوث البيئي , والتقنية الألكترونية تساعد في تكرير النفط من خلال التحليل الحقيقي للمعلومات في المصانع المعقدة في مصافي النفط , حيث يمكن السيطرة على ديماميكية التكرير ومتابعة أو قبول التغيرات التصنيعية بدون الحاجة لتغير الإنتاج النهائي , وساعدت الإلكترونيات الدقيقة في تخفيض تكاليف التنقيب والأستخراج والتي تسهل الكشف عن مصادره , كما لعبت التكنولوجيا المتقدمة دورا كبيرا في التطوير النوعي للأقمار الصناعية وجعلها قابلة للأستخدام في الكشف عن النفط والمعادن الثمينة الأخرى .
وكانت للنفط جاذبية خاصة , فهو مادة كفوءة وجيدة للأحتراق وزهيدة الكلفة مقارنة بالأشكال الأخرى كالطاقة النووية مثلا , والغاز الطبيعي هو المادة الأخرى التي يتزايد الإهتمام بها الآن , ومن المتوقع استخدامه في القرن الحادي والعشرين في توليد الكهرباء , ومن المحتمل أن يتم تحويل صناعة النفط بحيث يحتل الغاز الأولوية ويصار إلى الأعتماد أكثر على الغاز الطبيعي , وتكمن أهمية الغاز الطبيعي في كونه مادة نظيفة ولا تؤثر على البيئة عند الإحتراق مثل النفط , وهو موجود باحتياطات أكبر من النفط , ويتزايد الطلب عليه تدريجيا.
هناك بعض التطويرات لوسائط النقل التي تعتمد على الغاز للسيارات في لوس انجلس في الولايات المتحدة , وتجري تجارب في كاليفورنيا لاستخدام اسطول من الحافلات الغازية في خدمات البريد , ولكن تكنولوجيا الغاز غالية حاليا لأنها لازالت في مرحلتها الأولية مقارنة مع النفط ويبقى الإثنان أي النفط والغاز الطبيعي , المادة الأساسية لماكنة الإحتراق الداخلي الضرورية لوسائط النقل كالسيارة والطائرة , ومن الصعب تخيل إمكانية الطاقة البديلة لهاتين المادتين في لعب دور كبير في المستقبل القريب , وأن الشركات الكبرى للغاز والنفط ستكون موجودة في نصف القرن الحادي والعشرين وربما القرن كله , وسيبقى التحدي الكبير للأنسانية القائم في القرن الحادي والعشرين وربما بعد ذلك هو إيجاد طاقات بديلة من حيث الكفاءة والكميات الموجودة في الطبيعة وزهد الأسعار والتكنولوجيات المرافقة لها , علما بأن هناك حاليا تكثيف للجهود في مصادر الطاقة المتجددة للأستفادة من الطاقة الشمسية والرياح وحركة الأمواج ,أي التكنولوجيا البديلة التي يطمح إليها في تقديم طاقة بديلة أفضل للإنسانية .
www.balagh.com
|