|
حمزه المزيني
إن التوجه المتزايد لإغفال كثير من الهويات يملكها أي إنسان ومحاولة تصنيف الأفراد بمعيار هوية دينية مفردة تأخذ الأولوية على غيرها لا يعدوان أن يمثلا اضطرابا فكريا ربما ينشأ عنه تقسيم خطير.
وربما يريد إسلامي مثير للعنف ضد غير المؤمنين أن ينسى المسلمون أنهم يملكون أية هوية غيركونهم مسلمين.
ومن اللافت أن أولئك الذين يودون القضاء على ذلك العنف إنما يشجعون، في الواقع، الاضطراب الفكري نفسه بالنظر إلى المسلمين بصورة رئيسة على أنهم أعضاء في عالم إسلامي واحد.
ويعترض العالم المزيد من الاهتياج المحرق بسبب الدعوة إلى تصنيف بني الإنسان باستخدام بعد تصنيفي واحد وانتشارها، وهو التصنيف الذي يجمع بين ضبابية الرؤية مصحوبة بالمدى المتزايد لاستغلال مؤيدي العنف لتلك الضبابية.
ويمكن أن نعثر على استعمال لافت للواحدية المتخيلة في كتاب صامويل هنتنغتون المؤثر: " صراع الحضارات وإعادة تكوين النظام العالمي":
وتبدأ صعوبة مقاربة هنتنغتون مع نظام التصنيف الفريد الذي يقترحه، حتى قبل أن يبدأ في إثارة قضية الصراع- أو عدمه. ولا تزيد مقولة صراع الحضارات عن أن تكون زيادة طفيلية على القوة الصارخة للتصنيف الفريد الذي يترافق بشكل لصيق مع ما يسمى بالحدود الحضارية، وهي التي تتصاحب بشكل متلازم مع التقسيمات الدينية التي وجه إليها انتباهه المفرد. فيقابل هنتنغتون الحضارة الغربية بـ" الحضارة الإسلامية"، و"الحضارة الهندوسية" و "الحضارة الالبوذية"، وغيرها. وقد ضمنت العداوات المفترضة النابعة من الاختلافات الدينية في رؤية صندوقية شديدة الإحكام للتقسيمات المعززة.
والواقع أنه يمكن أن يصنف الناس في العالم تبعا لعدد كبير من التقسيمات الأخرى، ولكن منها بعض الصلة بحياتنا- وأحيانا إلى حدود بعيدة، ومنها: الانتماءات الوطنية، والانتماءات المحلية، والطبقات، والمهن، والمكانة الاجتماعية، واللغات، والسياسة، وتقسيمات أخرى كثيرة. وعلى الرغم من شيوع التصنيفات الدينية في السنين الماضية القريبة واشتهارها إلا أنه لا يمكن الافتراض بأنها قضت على التمايزات الأخرى، بل إنه يمكن النظر إليها على أنها أقل من أن تكون النظام ذا الصلة الوحيد لتصنيف الناس عبر العالم.
ويؤدي تقسيم سكان العالم إلى أولئك الذين ينتمون إلى "العالم الإسلامي"، و"العالم الغربي"، و"العالم الهندوسي"، و"العالم البوذي" مما تستخدمه القوة التقسيمية للأولويات التصنيفية بصورة غير مباشرة إلى وضع الناس بصورة صارمة داخل مجموعة من الصناديق المغلقة بقوة.
وتخفي هذه الطريقة التي تزعم الأولوية في النظر إلى التنوعات بين الناس التقسيمات الأخرى كلها (كالتقسيم إلى أغنياء وفقراء، وإلى المنتمين إلى طبقات ومهن مختلفة،والمنتمين إلى انتماءات سياسية مختلفة، وإلى الوطنيات المتمايزه والمحليات السكنية، وإلى المجموعات اللغوية، إلخ).
وتبدأ صعوبة فرضية صراع الحضارات مع افتراض الصلة الفريدة للتصنيف الأحادي الفريد. بل إن السؤال: "هل تتصادم الحضارات؟" إنما يقوم على الافتراض بأنه يمكن تصنيف بني الإنسان بشكل لازم إلى حضارات متباينة ومتعازلة، وأنه يمكن رؤية العلاقات بين بني البشر المختلفين بشكل ما في ضوء العلاقات بين الحضارات المختلفة، من غير أن نفقد قدرا من الفهم بصورة خطيرة.
وتعزز هذه النظرة التقليصية دائما بانطباع غائم إلى حد بعيد عن تاريخ عالمي يتعامى، أولا،عن مدى التنوعات الداخلية داخل هذه الأصناف الحضارية، وثانيا، عن المدى الذي يصل إليه التفاعل التأثري- الفكري والمادي كذلك- الذي يخترق بصورة مباشرة الحدود الإقليمية لما يسمى بحضارات.
كما أن قوة هذا التفاعل المربك يمكن ألا يوقع في شركه أولئك الذين ربما يؤيدون فرضية الصراع (وهم يتنوعون بين غلاة الوطنيين الغربيين والأصوليين المسلمين) فقط، بل أولئك الذين ربما يودون أن يفندوا حجج هذا الصراع إلا أنهم يحاولون أن يقاوموه مستخدمين مصطلحاته المرجعية المحددة مسبقا.
ويمكن أن تبرهن محدودية مثل هذا التفكير الذي يتأسس على الحضارة على أنه يمثل قدرا من التغرير لبرامج" الحوار بين الحضارات" (الذي حقق رواجا كبيرا هذه الأيام) يماثل التغرير الذي يوجهه لنظريات صراع الحضارات. ويقلص السعي النبيل المتسامي للنظر إلى الود بين الناس على أنه ود بين الحضارات بسرعة الجوانب المتعددة لبني البشر إلى حد أن يملك الواحد منهم بعدا واحدا وإلى أن يخفي الارتباطات المتنوعة التي توفر خلفيات غنية متباينة للتفاعلات العابرة للحدود طوال قرون عديدة، ومنها: الفنون والأدب والعلوم والرياضيات والألعاب والتجارة والسياسة، إضافة إلى مجالات أخرى من مجالات الاهتمامات الإنسانية المشتركة.فيمكن أن يكون لمحاولات السعي الخيرة نحو السلام العالمي بعض النتائج العكسية الحقيقة حين تؤسس هذه المحاولات على الفهم الخادع أساسا لعالم بني الإنسان.
كما يميل الاعتماد المتزايد على تصنيف بني البشر المؤسس على الدين إلى أن يجعل من رد الفعل الغربي على الإرهاب والصراع العالميين يبدو على درجة من عدم الإتقال بشكل لافت.
ذلك أنه يعبر عن احترام " الشعوب الأخرى"بالتعبير عن امتداح كتبهم الدينية، بدلا من التنبه للارتباطات والإنجازات متعدة الجوانب، في الحقول غير الدينية إلى جانب الحقول الدينية كذلك، عند مختلف البشر في عالم يتفاعل عالميا.
فتتوجه القوة الفكرية للسياسة الغربية إلى حد بعيد، في مواجهة ما يسمى بـ"الإرهاب الإسلامي"، بالمصطلحات المعاصرة الغامضة، إلى محاولة تعريف- أو إعادة تعريف- الإسلام.
ولا يؤدي التركيز على التصنيف الديني المبالغ في حجمه إلا إلى الغفلة عن الاهتمامات المهمة والأفكار الأخرى التي تحرك الناس وحسب.
بل يؤدي عموما إضافة إلى ذلك إلى تضخيم صوت السلطات الدينية. ومن ذلك أن يعامل "علماء الدين المسلمين" تبعا لذلك على أنهم المتحدثون الرسميون باسم ما يسمى بـ"العالم الإسلامي"، على الرغم من أن عددا كبيرا من المنتمين إلى الإسلام قد يختلفون اختلافات كبيرة مع هذا العالم أو ذاك.
ويؤدي هذا إلى أن يظهر العالم فجأة، على الرغم من تنوع تنوعاتنا، لا على أنه يتألف من مجموعة من الناس، بل على أنه يتألف من تحالفات اتحادية من الأديان والحضارات.
فقد أدت وجهة النظرالمرتكبة في بريطانيا لما يجب أن يفعله المجتمع المتعدد الانتماءات الثقافية إلى تشجيع إنشاء مدارس إسلامية ومدارس هندوسية إلى آخر، تمولها الدولة لتلتحق بالمدارس المسيحية الموجودة من قبل التي تمولها الدولة. فيوضع الأطفال الصغار، في ظل هذا النظام، في حيز انتماءات مفردة بشكل سابق على تمتعهم بالقدرة على التعليل النقدي للأنظمة المختلفة للهوية التي ربما تتصارع على الاستحواذ على انتباههم.
وكانت المدارس التابعة للطوائف الدينية قد غذت التباعد السياسي بين الكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا الشمالية على شكل متواصل من التصنيف المفتت الذي يرسم منذ الطفولة. أما الآن فقد صار التحديد المسبق نفسه للهويات"المكتشفة" مسموحا به، بل يشجع في الواقع، وهو ما يلزم عنه بذر مزيد من الاغتراب بين الأطراف المختلفة من المواطنين البريطانيين.
www.Balagh.com
|