|
محمد سبيلا
مفهوم الثورة مفهوم سياسي بالدرجة الأولى , فهو يعني التحويل الجذري الذي يتعرض له نظام سياسي كما في أسسه وتفاصيله , ومثاله النموذجي الثورة الفرنسية من حيث هي تحطيم للنظام السياسي القديم وإقامة نظام سياسي جديد شكل في تاريخ اوروبا , بل في تاريخ العالم كله و علامة تحول أساسية , في التاريخ السياسي لدرجة أن الإنقلابات التي حدثت في دول العالم الثالث بين الخمسينات ونهاية القرن ليست إلا صورا مشوهة , ممسوخة للثورة في نموذجها الأمثل , وهي في أغلبها الأعم في إنقلابات عسكرية مبيدة .
لكن مفهوم الثورة , كتحول نوعي وجذري , كان قد ظهر قبل ذلك في مجال العلم والتطوري العلمي : الثورة الكوبرنيكية , وتسمى كذلك لأن نيكول كوبرنيك , العالم البولوني كان قد أصدر سنة 1543 كتابه في ثورة الأفلاك السماوية الذي قلب الفكرة الفلكية البطليموسية القديمة , مبينا أن الأرض ليست كوكبا ثابتا وسط الكون بل هي مجرد كوكب تدور دورتين , الأولى حول نفسه والثانية حول الشمس , ثم تلاحقت الثورات العلمية بعد ذلك : الثورة البيولوجية والثورة السيكولوجية والثورة المعلوماتية والثورة البيوتكنولوجية .
ويبدو أن وهج الثورة الفرنسية قد خبأ , مثلما وهج الثورة الروسية , الذي كان صدى باهتا للثورة الفرنسية , قد خبأ بدوره , أما إنقلابات العالم الثالث العسكرية فقد أصبحت رمادا , وتوقفت المتخيلات الأيديولوجية الإشتراكية – الثورية , التي كانت هي الحافز الأساسي للثورة , عن أداء دورها الإشعاعي والتحفيزي , بل إنه مع نهاية الأنظمة الإشتراكية وانتظام كافة دول العالم في إطار النظام الرأسمالي , وتضاؤل إمكانات وآفاق التغيير السياسي الذي كانت تمثله الثورات السياسية , أخذ مفهوم الثورة يهاجر إلى أجل غير معلوم – من السياسة إلى التكنولوجيا .
فالتحولات التكنولوجية التي تحدث اليوم وتنتشر ,السرعة البرق , في العالم كله , أصبحت هي النموذج الوحيد للثورة وكأن الثورات التكنولوجية قد حلت نهائيا ربما محل الثورات السياسية وألغتها , المفعول المباشر لهذه التحولات هو خسوف الأيديولوجيات واليوتوبيات السياسية الدنيوية الخالصة , إذ لم يعد يصدقها أحد على الإقل لأن الخيرات الناتجة عن الثورة السياسية لا تقتسمها إلا فئات بيروقراطية محدودة في حيت أن ثمار الثورات التكنولوجية هي ثمار أكثر ديمقراطية وأكثر قابلية للإنتشار والتوزع على فئات عريضة من المجتمع , فالهاتف أصبح اليوم , وخاصة في صيغة الهاتف الجوال أو النقال , بضاعة فردية , مثله في ذلك مثل التلفيزيون والمذياع , وآلة التسجيل والتصوير والسيارة , وغيرها , ناهيك عن الآثار المباشرة للتحولات التكنولوجية على نمط العيش .
إن الثورة التكنولوجية أكثر رسوخا وعمقا من الثورات السياسية السطحية الدموية التي حدثت في القرن العشرين (مثال روسيا ودول العالم الثالث) فاكتشاف الكهرباء طال فئات واسعة من الناس , وسلط الضوء على الكثير من الظلمات , وساهم في إقصاء العديد من الخرافات والأساطير , مثلما أفاد الحياة البيتية وكل الصناعات وساهم في إحداث العديد من الثورات التحولات العميقة , إذ بدونه ما حدثت التحولات الثورية في الطب والفلك والكيمياء والفيزياء , بل هو الإكتشاف الأساسي الذي تنبني عليه كل الإكتشافات العلمية الأخرى .
النموذج الأمثل الذي قيض لنا أن نعيش ونشهد آثاره الثورية الملموسة هي ثورة الإعلام والمعلومات المتمثلة في الإنترنت , والإنترنت الآن هي ذروة الثورات التكنولوجية التي عرفتها البشرية إلى حدود مطلع الألفية الثالثة , فهي تقلب العلاقات والحدود المعروفة لحد الآن , إنها نمط كينونة كامل ومتكامل , فهي تغير علاقتنا بالأشياء , تغير سلوكنا وذهنيتنا , ومفهومنا للزمان والمكان والواقع وللعلاقة , تغير معنى المعرفة , ومعنى العمل , ومعنى العيش ومعنى المعنى ذاته.
تقيم الإنترنت عالما موازيا للعالم الواقعي , عالنا له قوانينه ومعاملاته ومتطلباته الخاصة , وكمثال على المظاهر الثورية للتكنولوجيات الإعلامية والمعلوماتية الجديدة نشوء إقتصاد جديد هو , economienet الذي سيوفر مقادير هائلة من المصاريف على المتعالمين الإقتصاديين , فبدا أن يستقل رجل الأعمال الطائرة ويذهب إلى عين المكان للبحث عن بائعين أو مشترين , فإن السوق يكون قد إنتقل إليه , عبر الإنترنت , في مؤسسته الإقتصادية أو في بيته , بل ربما في غرفة نومه , هذا الإقتصاد الرقمي الجديد المتواجد في نفس الآن والمكان في كل ارجاء الأرض سيجعل الأرض كلها سوقا واحدا يضم حوالي 6 مليارات من المستهلكين, وسيوحد لأول مرة البشرية كلها ويجعل الإنسانية سوقا كبيرا.
وفي الأصل كانت الثورات السياسية الكبرى في تاريخ البشرية رديفة للثورات العلمية والتكنولوجية , فالطواحين الهوائية كانت موازية للإقطاع , أو أن هذا الأخير بالأحرى هو الذي كان يوازيها , مثلما أن الرأسمالية التجارية توازي وتستلزم الإقتصاد الكوني الرقمي الذي تعتبر الإنترنت أداته الأساسية .
هل يمكن أن نجازف بقول أننا نشهد في هذا العصر هجرة تدريجية مكثفة لمفهوم الثورة من الحقل السياسي إلى الحقل التكنولوجي بحيث تصبح السياسة هي مجرد تدبير لهذه التحولات الجذرية المتسارعة الناتجة عن الثورات التكنولوجية المتلاحقة ؟
www.balagh.com
|