في المشهد الثقافي العالمي أكثر من ظاهرة تستحق الاهتمام لمساسها المباشر بالقيم الثقافية والتقاليد الاجتماعية والعقائد الدينية للمجتمعات بدرجات متفاوتة اولا، ولتقدرتها على تغيير بعضها من حقائق العصر وملامحه ومعالمه ومفاهيمه ثانيا، وثالثا لارتباطها بالوضع الحياتي، المادي، المعيشي للفرد وتأثيرها عليه أما سلبا او إيجابا.
وثورة- او ظاهرة- الانترنت قد تكون واحدة من تلك الظواهر الداعية للاهتمام انطلاقا من الأسباب الثلاثة المشار اليها انفا، وقد تتزايد مساحة الاهتمام بأضطراد مع تعقد الظاهرة واتساعها، ومع افرازها لظواهر أخرى تبقى مرتبطة بها ومتأثرة فيها طوال الوقت.
وطبيعي فان النظرة الاولية لطبيعة الظاهرة لن تكون واحدة ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون كذلك لان تأثيراتها المعنوية والمادية على هذا الطرف تختلف قليلا او كثيرا عن تأثيراتها على ذاك الطرف، وبالتالي فان الاستغراق في تحليل ابعاد الظاهرة وافاقها اي الوقوف على تفاصيلها وجزئياتها يساعد بدرجة اكبر في الكشف عن التحديات التي تحملها تلك الظاهرة بين طياتها.
وينبغي ضمن هذه الاطار عدم التغافل عن كون شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) هي جزءا قد يكون صغيرا الى حد ما دون ان يعني ذلك انه غير مؤثر من ثورة الاتصالات والمعلومات التي بات عنوانها الرئيسي منذ النصف الثاني عن عقد التسعينات هو العولمة.
فالحديث اليوم عن العولمة يقتضينا مهما يكن من امر افراد حيز من الحديث عن دور شبكة المعلومات الدولية في صياغة العلاقات بين الافراد والجماعات وفي تنمية المعارف والقدرات والكفاءات الانسانية، والعكس صحيح ايضا، اذا ان الحديث عن الأخيرة لا بد أن يفضي إلى التطرق للاولى.
هذ الثنائية تعني اشياء كثيرة، لعل المتخلف، واستخدمنا هنا مفردة "اطراف" باعتبار ان الغرب يمثل مركزا يتحكم بمنحى ومسار التفاعلات العالمية في شتى الميادين من خلال امساكه بقوة بكافة الخيوط التي تربطه بالاطراف.
ومع أن هذه الفكرة تبدو فكرة تقليدية تعود الى تعود الى عدة عقود سابقة، وتعرضت للنقد اللاذع مرات عديدة سيما في عقدي الثمانينات والتسعينات، الا انها في واقع الامر ما زالت تلقى قبولا من نخب فكرية وثقافية لا في الغرب فحسب، وانما في الشرق ايضا.
وذلك القبول يعد بمثابة أمر واقع لا بد من الاقرار به، لانه في النهاية يعكس حقائق القوة ومعطياتها، ليس القوة بمفهومها التقليدي المتمثل بالجانب العسكرين، وانما وفقا لمفهومها الحديث جدا "المعرفة هي القوة" والذي تناوله المفكر الأمير كي الشهير الفين توفلر في معظم مؤلفاته لا سيما "تحول السلطة... المعرفة والثروة والعنف في بداية القرن الواحد والعشرين"، وتناولناه بشيء من التفصيل فيما سبق.
وهنا فان مظاهر التقنيات الفائقة التطور هي التي تقرر من له القدرة على التحكم والهيمنة، وهي التي تعبر عن (المعرفة القوة) اصدق تعبير. بعبارة أخرى ان من يمتلك اكبر قد المعلومات ويتحكم باليات تدفقها وانتشارها وان بصورة غير مطلقة سيكون هو الاقوى والاكثر فاعلية.
وقد تبدو المسألة جدلية وذات طابع ديالكتيكي عندما يقال ان هذا الذي امتلك اكبر من المعلومات وابتكر الاليات الناجعة للتحكم في مساراتها وغذا الاقوى، لا بد ان يكون قد احرز التفوق في مراحل سابقة، ولم يسمح للمتخلفين عنه اللحاق به، بل اكثر من ذلك أن سيره كان بوتيرة اسرع من هؤلاء، الامر الذي ادى الى اتساع الهوة فيما بينه وبينهم.
وثمة من يقول بهذا الشأن ان تطور المعرفة الغرب يقابله تفكك وانهيار اخلاقي وقيمي خطير للغاية بحيث أنه من الممكن ان يأتي على معظم التحولات والانجازات المعرفية ان لم يكن جميعها اذا لم يصر إلى البحث عن حلول ومعالجات مناسبة، ورغم ان ذلك القول يعتبر في جانب ضئيل منه صحيحا، الا انه حتى هذا الصحيح يخضع لنقاش طويل ومتشعب، وقد يكون ذلك النقاش عقيما في بعض الأحيان، لكنه مفيد للغاية لانه ربما يكشف عن اعتقادات وتصورات خاطئة او بعيدة نوعا ما عن العلمية والموضوعية، وذلك انطلاقا من فكرة ان التفكك والانهيار الاخلاقي والقيمي في الغرب على خطورته هو حالة طبيعية هناك، بيد انه في حال امتد الى الشرق حيث مؤثرات القيم الدينية والثقافية والحضارية على المجتمعات واضحة وجلية فعند ذاك يمكن الحديث عن التقاطع مع او التأثير السلبي للمعرفة على تلك القيم، سيما اذا كانت المعرفة بمعناها الشامل هي الاداة والوسيلة لتفكيك القيم وتحطيمها.
الإشكالية المشار اليها دفعتني الى ملاحقة بعض مما امكن ملاحقته من حقائق وارقام عن التأثير السلبي للمعرفة على القيم، وتحديدا تلك التي يمكن تلقيها او بثها عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، ففي صحيفة عربية هناك تحقيق صحفي تحت عنوان "مقاهي الانترنت.. والرقابة الهزيلة" يقول فيه كاتبه "انتشرت مقاهي الانترنت في كثير من الدول العربية منذ سنوات قليلة فقط وكان الدافع الى ذلك تحقيق هامش ربحي من خلال المزاوجة بين خدمتين، خدمة المقاهي التقليدية حيث يمكن ارتشاف بعض المشروبات وتناول بعض الحلويات، وكذلك خدمة الابحار في شبكة الانترنت".
ويورد الكاتب مؤشرات على الاستخدام السييء للانترنت منها:
- أحد الزبائن يجلس ست عشرة ساعة يوميا وهو موظف يستأذن من عمله يوميا ولا يغادر المقهى الا مع شروق الشمس!.
- احد زبائن برفقة امراة ويطلب فتح مواقع اباحية في شهر رمضان!.
- بعض المواقع العربية وبعض المستخدمين يشوهون صورة العرب والمسلمين في العالم من خل ثبت مواد لا أخلاقية على الانترنت.
وفي متناول يدي اضافة الى ذلك حقائق وارقام أخرى لكن لا يسع المجال هنا للاشارة إليها فضلا عما يتاح لي رصده من خلال تعاملي المباشر مع الانترنت في معظم الاوقات.
والهدف من الاشارة الى التحقيق الصحفي لا يمثل دعوة الى مقاطعة كل ادوات ووسائل المعرفة ولا ينبغي ان يفهم منها اي اشارة على انها من خلال النماذج التي تضمنتها ايحاء بأن المجتمعات الشرقية قاطبة تتعاطى مع المعرفة الغربية بطريقة سلبية.
في مقابل ذلك فان هناك فكرة مفادها ان المجتمعات الشرقية وتحديدا العالم الثالث تعتبر مجتمعات استهلاكية عاجزة عن الانتاج الصناعي المتطور او الابداع (الفكري، الثقافي) المتميز، فالجزء الاكبر مما تستهلكه من مستلزمات العيش هو في حقيقة الأمر من نتاج الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة، وكذا الحال بالنسبة للابداع (الفكري، الثقافي)، والملاحظ هنا هو ان ما يطرح في الغرب من نظريات يشغل الشرق الى اقصى الحدود ليصبح بالتالي مادة " دسمة" لبحوث ودراسات تدوم اعواما وربما عقود، وهذا يصدق على ما يسمى ينظرية "صراع الحضارات" و"نهاية التاريخ" و"النظام العالمي الجديد".. الخ.
هذه الفكرة تقترب في بنائها في فكرة (شمال، جنوب) التي ظلت مثار اهتمام فترة طويلة امتدت من منتصف عقد الاربعينات حيث وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وحتى وقت متأخر من عقد الثمانينات او مطلع التسعينات عندما اخذت المفاهيم الجديدة تطرح نفسها بقوة في خضم متغيرات كانت وما زالت تجري بوتائر متسارعة، فالمضامين التي تحملها كل من الكفرتين واحدة تقريبا ولكن الاختلاف بينهما يمكن في طبيعة الظروف والتحديات المرحلية التي رافقتهما وساعدت في تبورهما.
www.Balagh.com
|