ثمة اشكالية في العلاقة بين الغرب والشرق تعود الى قرون عديدة سابقة، ولكن لا يمكن تحديد لحظة انطلاقها ونقطة ذلك الانطلاق مع انه يبدو من اليسير رصد مقدار غير قليل من الظواهر التي عبرت عن تلك الاشكالية بصورة واقعية حية وجسدتها من خلال عملية صراع ذي جوانب ومضامين متعددة بين مفاهيم تقف على طرفي نقيض من بعضها البعض والتي غالبا ما يعبر عنها بثنائية المفاهيم- المصطلحات مثل (التخلف- التقدم)، و(الايمان- الالحاد)، و(الروح- المادة)، و(التراث- الحداثة)، و(الغالب- المغلوب) و...
وعدم التمكن من تحديد لحظة ونقطة الانطلاق بدقة قابله شبه اجماع على ان عملية الصراع هذه كانت مع مرور الزمن تتخذ حيزا اوسع واشمل وتتفاقم لتبلغ في يعض الاحيان مستويات خطيرة، وبالفعل فأننا حين نتصفح التأريخ سنتوقف عند منعطفات مهمة وحاسمة تغيرت عندها مسارات الصراع بين الغرب والشرق واختلت موازينه، او بعبارة اخرى مثلث تلك المنعطفات نقاط تحول تأريخية مهمة.
فأنهيار دولة الخلافة الاسلامية على يد المغول في عام 1258م، والحروب الصليبية وسقوط الاندلس 1493م، وسقوط الامبراطورية العثمانية 1924م، وقضايا اخرى حديثة ومعاصرة كلها عكست- او تعكس- واقع عملية الصراع الذي غالبا ما كانت ولا زالت تتداخل فيه مفاهيم السلم والقوة بمستويات مختلفة تتفاوت تبعا لظروف كل مرحلة وخصوصياتها وهوية أطراف الصراع.
وطبيعي ان عملية الصراع بين اي طرفين تستدعي او تدفع كلا منهما الى قراءة الآخر بطريقة ما وذلك لمعرفة عوامل الضعف والقوة لديه باعتبار ان ذلك يعد المدخل الرئيسي لاحكام السيطرة والهيمنة وفرض الارادة.
بيد ان ذلك لا يعني بالضرورة ان تتسم كل قراءة من القراءات بالعلمية والموضوعية تعتبر محايدة، بل على العكس من ذلك ربما يندر ان نجد مثل تلك القراءات في خضم نزوع غير طبيعي الى تشويه الحقائق وتزييفها من جانب او التعامل معها بأنفعالية وبعيدا عن العقل والمنطق السليم من جانب آخر.
ومن الناحية الكمية- وليس النوعية- فإن القراءات تتزايد بأضطراد مع تفاقم حدة الصراع وضراوته، وبما ان عملية الصراع بين الغرب والشرق كانت تتخذ حيزا اوسع واشمل، كما ذكرنا آنفا، فانه سيكون امرا مألوفا في هذا الوقت العثور على نتاج فكري مع تحفظ غير قليل على مفردة "فكري" ضخم يبحث في الاطار العام موضوعة الصراع بين الغرب والشرق تحت عناوين ومسميات مختلفة بعضها قد يعبر عن الواقع وبعضها الآخر قد لا يعبر بالقدر الكافي عن ذلك الواقع، ولعل اجراء احصاء سريع لمثل هذه العناوين والمسميات ان في الاوساط الفكرية بالغرب أو الشرق يوضح لن مقدار القلق والخوف والتوجس من المستقبل والتخبط في تفسير وتحليل الظواهر المرتبطة أو الناتجة عن المواجهة بين المعسكرين.
وعند اخضاع القراءات الشرقية للغرب للتقييم يمكننا ان نسجل ملاحظتين في هذا الشأن: الاولى: ان اغلب تلك القراءات يطغى عليها الطابع الإنشائي والخطاب الانفعالي، خصوصا عندما ينظر الى الغرب بأعتباره الشر كله بحيث انه حتى أنه هناك ايجابيات يمكن توظيفها بشكل او بآخر فأنها تضيع وسط حمى الانفعال والغضب.
الثانية: ان تلك القراءات تكون في بعض الاحيان محكومة بنزعة من التعصب القومي او الديني او الايد الايديولوجي والمار كسي بشكل أكبر.
فأصحاب الاتجاهات القومية يرفضون الغرب انطلاقا من كونه لا يؤمن كثيرا بالمفاهيم القومية مع انها تمثل واقعا قائما لدينا لا يمكن إلغاؤه او القفز عليه، واصحاب الاتجاهات الاسلامية يرفضون الغرب لان فلسفته تقوم على أساس الفصل بين الدين والسياسة وحصر دور الاول الدين في اطار الممارسات والقناعات الفردية، بينما المار كسيون الاستراكيون يعتقدون ان الغرب بتبنيه النظرية الرأسمالية في الاقتصاد يقسم العالم الى طبقة اغنياء وطبقة فقراء.
وهكذا فان نظرة احادية الجانب تبدو في معظم الاحيان هي السائدة، اذ انه في مقابل ما اشرنا اليه فان هناك في الشرق- العالم الاسلامي وجزء من المنظومة الاشتراكية- من يدعو الى الاندفاع سريعا نحو الغرب باعتبار انه النموذج في كل شيء بدءا من اشكال نظم الحكم وحرية التعبير عن الرأي والممارسة السياسية وانتهاء بمظاهر الحضارة الحديثة والمعاصرة التي باتت تعكس الاحتياجات المادية أكثر مما تشيع من قيم روحية ومعنوية بين الافراد والمجتمعات.
وفي حقيقة الامر فان كلا الاتجاهين لا يعتبر وليد مرحلة متأخرة جدا وانما يعود الى عدة قرون سابقة ارتبطت بأنبثاق عصري النهضة والتنوير في اوربا وبتنامي النزعات القومية العربية وبملامح صحوة اسلامية بدأت تبرز ملامحها الاولى في الافق خلال الربع الاول من القرن العشرين في بقاع شتى من العالم الاسلامي.
www.Balagh.com
|