د. مصطفى حجازي
يتناول هذا الموضوع بالبحث بعض ألوان الهدر الخاص في الحياة اليومية. وهي ألوان متعددة المظاهر والمجالات ودرجات الشدة والحدة والأزمات.
هناك حالات هدر خاصة، ذات طابع وجودي تجري على مسرح الحياة اليومية، في وقائعها واضطراباتها, وهي خاصة لأنها لا تصيب الجميع بالشكل والمدة والشدة نفسها، بل تتفوات من حالة إلى أخرى، بينما الهدر العام يصيب الغالبية في مجتمع ما.
وإذا كان الهدر العام يتخذ طابعا صارخا، كما هو حال الاستبداد والتعذيب، وهدر الفكر والوعي، فإن حالات الهدر الخاص تندمج في نسيج الحياة اليومية، مما يجعلها لاتتخذ طابع القضايا، بل هي تظل خفية تعاش على مستوى الوجود اليومي بمرارته وخيباته وإحباطاته، والذي يكون عادة لكل إنسان منها نصيبه الخاص به.
ولذلك فإن بحث الهدر الوجودي في الحياة اليومية، ونظرا لخصوصياته وتنوعاته ومظاهره، يظل أصعب على التحديد والدراسة من الهدر العام الذي يقع على مجتمعات بأسرها.
وبالطبع فليس هناك فصل واقعي بين الهدر العام والخاص,فالكثير من حالات الهدر الوجودي في الحياة اليومية هي في الأصل تجسيد للهدر العام؛ أي أنها ترجمة فردية يومية للهدر الذي يصيب مجتمعا بأكلمه، أو شرائح هامة منه؛ من مثل توالد الاستبداد العام على مستوى العلاقات والتفاعلات اليومية، سواء في الزواج أم في أم العمل، أو أساليب التفكير. هناك إعادة إنتاج للهدر العام على المستوى الفردي، هو في بعض أوجهه إعادة إنتاج للأمراض الاجتماعية التي تصيب بلدا ما.
الكبت النفسي المرضي هو الوجه الآخر للقمع الاجتماعي، سواء أكان عصبية أم استبدادا أم أصولية مستفحلة, فهذه كلها لا تنجح فعلا، ولا تستتب إلا حين تعيد إنتاج ذاتها في حالات مرضية فردية، أو في تشوهات سلوكية وتفاعلية وعلائقية.
قمقمة الطاقات الحية الذي تقوم به أنظمة الهدر، يتجلى في مختلف حالات الهدر المرضي لهذه الطاقات على المستوى الفردي، وكما أن الصحة النفسية الفردية مشروطة عموما بالصحة المجتعية، فإن المرض النفسي الفردي، والهدر الوجودي الفردي لا يعدوان كونهما تعبيرا عن المرض الاجتماعي، وإعادة إنتاج له.
التصدع الأسري على سبيل المثال هو وليد التصدع الاجتماعي من ناحية، وهو يعيد إنتاج ذاته في العلاقات الزوجية المعرضة للتصدع عند الأبناء.
كما أن هناك مجتمعات يمكن أن نسميها عصابية (هي ذاتها مجتمعات أنظمة الهدر)، تنتج على المستوى الفردي مختلف حالات العصاب الفردي. وقد يكون من أبرزها إنتاج مجتمعات القمع والاستبداد لعلاقات الاضطهاد العدواني في تفاعلات الحياة اليومية بين الناس.
ويندرج ضمن هذه الحالة العديد من الاضطرابات الجنسية والجسدية النفسية، المتولدة عن أنظمة القمع الاجتماعي ذات التزمت المفرط. ويقابلها في الغرب الصناعي أمراض الاغتراب النفسي المتولدة عن الإفراط في الفردية، وما تتعرض له من استغلال في الإنتاج والاستهلاك. ولقد نشأ لهذا الغرض علم أنتربولوجيا الأمراض العقلية والنفسية لدراسة هذه الظواهر تحديدا.
يتمثل القاسم المشترك لمختلف ألوان الهدر الوجودي في الحياة اليومية، في فشل مشروع تحقيق الذات وصناعة كيان في الوجود.
وبالطبع فإن تحقيق الذات يتنوع تبعا للمشروع الوجودي الخاص بكل إنسان، وبالتالي فالفشل تتنوع ألوانه بالنتيجة. هناك الهدر الزوجي، وهدر الرغبة، وهدر المكانة والدور، وهدر نوعية الحياة، وهدر الغربة في الوطن أو خارجه. في كل من هذه الحالات يجد المرء ذاته خارج تحقيق الذات في الحياة، وبالتالي يعيش واقعه وجدانيا وكأنه "خارج الحياة" المليئة. قد تهدر الكينونة ,وتهدر معها الصيرورة بالضرورة.
حالات الهدر الوجودي المتنوعة في المجال والمقدار، تنال من الدافع الأساسي لدى الإنسان والذي يتمثل في أن يكون شيئا مذكورا، أو يصبح شيئا مذكورا على مستوى المكانة والدلالة والموقع وتحقيق الرغبات، أو إشباع الحاجات. تلك خاصية يتفرد بها الإنسان بما هو كائن حي، عن بقية الكائنات الحية.
إنه لا يكون فقط تبعا لما هو مرسوم لجنسه في سجله الوراثي الحيوي، بل هو يصير، أو يطمح في أن يصير، في حالة دائمة من تجاوز واقعه الراهن وأحواله الحاضرة. كل إنسان يريد أن يحقق شيئا يجعل منه لاعبا مرموقا، أو حتى نجما في ملعب الحياة.
كل إنسان محكوم بالصراع من أجل تجاوز نقصه الجذري من خلال صناعة كيان ومصير. ومن المعروف أن تحقيق الذات هو أعلى قمة هرم الحاجات الإنسانية جميعا. من خلاله يكتسب الوجود صفة الامتلاء.
وهو إن لم تتوفر وسائله وأساليبه المعافاة، قد يتخذ أشكالا مرضية أو جانحة. ولا يحقق الإنسان ذاته في قطاع واحد فقط بل يكون لديه عادة شبكة من المجالات في الإنجاز المهني والعاطفي، والزواج، والوالدية، والرفاه المادي إلخ...
وتتفاعل عناصر هذه الشبكة فيما بينها بشكل متبادل التأثر والتأثير، وبالإيجاب كما بالسلب. وقد كوسائل لتعويض بعضها بعضا. فالعمل قد يعزز الزواج، أو يكون تعويضا عنه، أو هو يفاقم من أزماته، وبالعكس. وعليه قد يهدر الوجود الفردي بشكل جزئي/ قطاعي، أو يتعمم هذا الهدر على مختلف القطاعات كما هو شأن "عصاب الفشل".
نحن هنا بصدد تنوعات وتباينات وتفاعلات مختلف أوجه الحياة اليومية، في قضاياها وإنجازاتها وإخفاقها وحماسها، كما مرارتها. الهدر الوجودي يتخذ دلالة الفشل في أن تكون أو تصير، في أحد هذه القطاعات، أو العديد منها. هنا تبرز حالات الوجود العوق، أو الوجود المفرغ من كثافته على شكل حياة مضيعة، واجترار خيباتها.
وهو ما يولد أزمات نفسية متفاوتة الشدة، أو هو يؤدي مفهوم الذات ويجعله غير قابل للاحتمال والاعتراف به. تفتح هنا سجلات ردود الفعل الدفاعية على اختلافها، وصولا إلى تسويات نفسية لا تتصف بالعافية عادة، إنما تسمح بتحمل عناء الوجود. وحيث إن سجل الهدور يبقى بالضرورة مفتوحا على صعيد مجالاته ودرجاته، فلا بد من الاقتصار على بعضها، إذ إن الإحاطة بها جميعا قضية تبقى خارج الإمكان.
www.balagh.com
|